لقاءات في الفكر والدعوة
الجزء ١ · صفحة ١٦٧الصحوة الإسلامية
فإن فعل العينين واليدين والرجلين يكون صغيراً معفواً إذا ندم المرء وأقلع ولم يرتكب الله، أما إن استرسل فكل ذلك يكون كبائر مهلكة والعياذ بالله.
بفرجه
هذا؛
ما حرمه
ويجب
ومن أدرك ذلك فهم معنى قوله ب: إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} [النساء: 48]، فهو يغفر لمن يشاء إمّا بالتوبة والإقلاع عن الكبائر والرجوع إلى الله الله، وإما باجتناب الكبائر مع صدور بعض الصغائر من غير قصد إصرار عليها ومن غير استمرار على ارتكابها، هذا هو المقصود بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: 48]، فقد بيّن سبحانه في آيات أخرى من يشاء لهم المغفرة، وهم الذين يجتنبون الكبائر ولا يصرّون على الصغائر، وجاء في بعض الروايات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا صغيرة مع إصرار، ولا كبيرة مع استغفار» (1). أن يكون فهم الآيات القرآنية في ظل سياقها، فإن بترها عن السياق يذهب بها بعيدة عمّا هو مقصود بها، وأنت تدري أن قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: 48] جاء مسوقاً في القرآن في سورة النساء في سياقين متحدين من حيث إنهما جميعاً كانا في معرض الدعوة إلى الإسلام والتحذير من الشرك، ففي أولهما كان السابق على ذلك النصّ قوله تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَامِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَطْمِسَ وُجُوهَا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَبَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [النساء: 47]، ثم تبع ذلك قوله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ. وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وهذا يوضح أن المراد به أن من بقي على شركه ولم ينقلب إلى التوحيد لا يغفر له ولو تاب من سائر آثامه، فإن توبة المشرك مرهونة بإسلامه، أما إن أسلم وتاب من شركه فإنه توبته هذه تجب كل ما سبق من وزره، فلا يؤاخذ بما قارفه سواء كان ذلك في حق ربه أو في حق العباد، كما قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: 38]، وهذا مما لا خلاف فيه.
وثانيهما: سبق بقوله تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا نَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: 115]، وهو دليل
(1) أخرجه ابن حجر العسقلاني في المطالب العالية، وأورده السيوطي في الجامع الصغير وقال: أخرجه ابن المنذر في تقييده عن ابن عباس موقوفاً، والديلمي عن ابن عباس موقوفاً، وعن أنس موقوفاً.
167