لقاءات في الفكر والدعوة أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

لقاءات في الفكر والدعوة

الجزء ١ · صفحة ١٦٨

168

لقاعات

في الفكر والدعوة

على ما يراد من قوله: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: 116]، فإنما هذه المغفرة لمن شاء الله هدايته فرجع إلى الفطرة وأسلم الله تعالى وجهه، فإنه لا يؤاخذ بما فعله في جاهليته لأنه بإسلامه يغدو كأنما وُلد من جديد على الفطرة مبرأ من كل

معصية.

=

وقد علمت مما تقدّم أن التشبث بأماني الشفاعات مع الإصرار على الإثم لا شيئاً، يجدي فقد حذر الله الا الله جميع الأمم من الاغترار بهذه الأماني، وبين حقيقة ذلك اليوم فيما أنزله في كتابه، فقد كانت هذه الأماني معششة في أدمغة بني إسرائيل الذين كانوا يقولون عندما يأتون شيئاً من مناهي الله: ﴿سَيُغْفَرُ لَنَا﴾ [الأعراف: 169]، وقد خيب الله تعالى أمانيهم وحذرهم من هذا الاغترار حيث قال لهم: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَّا تَجْزِي نَفْسُ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ [البقرة: 48]، وأكده مرة أخرى في قوله: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِى نَفْسُ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنفَعُهَا شَفَعَةٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ) [البقرة: 123]، وهذا وصف لذلك اليوم، والناس جميعاً مطالبون بأن يعوا حقيقته هذه، فلا يفتر أحد بما توسوسه له نفسه من أماني الشفاعات، إذ لا فرق في هذا الحكم بين أُمة وأخرى، لأنهم جميعاً مخاطبون بالتكاليف الشرعية ومأمورون بالطاعة ومنهيون عن المعصية، فهذا الخطاب وإن كان لبني إسرائيل هو صادق على هذه الأُمة لأن الله عل يعدل بين عباده ولا يحابي أحداً منهم بسبب نسبه أو انتمائه.

ولئلا تغتر هذه الأمة بهذه الأماني الكاذبة خصت بخطاب فيه هذا التحذير البين، فقد قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمُ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَةٌ وَلَا شَفَعَةٌ وَالْكَفِرُونَ هُمُ الظَّلِمُونَ﴾ [البقرة: 254]، وقد أعذر النبي صلى الله عليه وسلم إلى جميع الناس حتى أنه حذر أخص خاصته وأقرب قرابته وأحب الناس إليه من الاغترار بهذه الأماني، فقد أنذر فيمن أنذر فلذة كبده وقرة عينه وثمرة فؤاده وبهجة قلبه ابنته العزيزة السيدة فاطمة - رضي الله تعالى عنها وأرضاها -، كما أنذر عمته السيدة الصالحة صفية بنت عبد المطلب وعمه العباس بن عبد المطلب - رضي الله تعالى عنهما - وسائر قرابته بقوله: «يا معشر قريش اشتروا أنفسكم من الله لا أغني عنكم من الله شيئاً يا بني عبد مناف لا أغني عنكم من الله شيئاً يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئاً يا

١٦٨ / ٤٩٤