لقاءات في الفكر والدعوة أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

لقاءات في الفكر والدعوة

الجزء ١ · صفحة ١٧٤

174

لقاعات

في الفكر و الدعوة

?

ولو بعدم معارضتهم ما هم عليه، وإيمان هو عبارةٌ عن معرفة صحيحة بالدين عن يقين بالإيمان، متمكنة في العقل بالبرهان مؤثرةٍ في النفس بمقتضى الإذعان، حاكمة على الإرادة المصرّفة للجوارح في الأعمال، بحيث يكون صاحبها خاضعاً لسلطانها في كل حال، إلا ما لا يخلو منه الإنسان من غلبة غفلة أو نسيان، وليس الربا من المعاصي التي تُنسى أو تغلب النفس عليها خلسة الجهالة أو الطيش، كالحدّة وثورة الشهوة، أو يقع صاحبها هنا في غمرة النسيان كالغيبة والنظرة، فهذا هو الإيمان الذي يعصم صاحبه - بإذن الله - من الخلود في سخط الله، ولكنه لا يجتمع مع الإقدام على ارتكاب الإثم والفواحش عمداً، إيثاراً لحب المال واللذة على حب الله. أمّا الإيمان الأول فهو الإيمان الصوري فقط فلا قيمة له عند الله - تعالى -؛ لأنه الله لا ينظر إلى الصور والأقوال، ولكنه ينظر إلى القلوب والأعمال كما ورد في الحديث، والشواهد على هذا الذي قررناه كثيرة جداً، وهو مذهب السلف الصالح وإن جهله كثير ممن يدعون اتِّباع السُّنَّة حتى جرأوا الناس على هدم الدين بناءً على أن مدار السعادة الاعتراف بالدين، وإن لم يعمل حتى صار الناس يتبجحون بارتكاب الموبقات مع الاعتراف بأنّها من كبائر ما حرّم، كما بلغنا عن بعض كبرائنا أنه قال: إنني لا أنكر أني أكل الربا ولكنني مسلمٌ أعترف بأنه حرام، وقد فاته أن يلزمه بهذا القول الاعتراف بأنه من أهل الوعيد، وبأنه يرضى بأن يكون محاوراً لله ولرسوله، وظالماً لنفسه وللناس كما سيأتي في آية أخرى، فهل يعترف بالملزوم أو ينكر الوعيد المنصوص فيؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض؟! نعوذ بالله من الخذلان». اهـ

والسيد محمد رشيد رضا قد سبقه

(1)

أستاذه الكبير العلّامة الإمام محمد عبده إلى مثل هذا القول، حيث قال في تفسير قوله تعالى: فَأُولَيكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) [البقرة: 275]، ومن المفسرين من ترك السيئة في الآية على إطلاقها، فلم يُؤوِّلُها بالشرك ولكنّهم أوّلوا جزاءها فقالوا: إن المراد بالخلود طول مدة المكث؛ لأن المؤمن لا يخلد في النار، وإن استغرقت المعاصي عمره وأحاطت الخطايا بنفسه فانهمك فيها طول حياته، فهم أوّلوا هذا التأويل هروباً من قول المعتزلة: إنّ أصحاب الكبائر يُخلّدون في النار، وتأييداً لمذهبهم أنفسهم المخالف للمعتزلة، والقرآن فوق المذاهب يُرْشِدُ إلى

(1) المرجع السابق، 84/ 3.

١٧٤ / ٤٩٤