لقاءات في الفكر والدعوة أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

لقاءات في الفكر والدعوة

الجزء ١ · صفحة ١٨١

الدور الإصلاحي لعلماء الإباضية

المتشابه والمحكم من عقله الذي منحه الله الا الله، بحيث يستطيع أن يصرف بموجب نوره الألفاظ التي جاءت من عند الله، فيتبيّن ما هو المقصود بها وما هي الغاية المرجوة مما يعرض منها من المعاني على هذه الأذهان، فنجد أن القرآن الكريم جاء بالعبارات الكثيرة التي لا بد من النظر فيها من أجل المقارنة بين معانيها ليتوصل الإنسان إلى حقيقتها وأبعادها، لا لِيَتية في متاهات تبعد به كل البعد عن هدايتها ونورها، فلو جئنا مثلاً إلى قول الله - تبارك وتعالى - خطابا لنبيه: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَ اللَّهَ رَمَى) [الأنفال: 17]، نجد أن في أول هذا الخطاب نفي الرمي عن النبي صلى الله عليه وسلم، وفي وسطه إسناده إليه، وفي آخره إسناده إلى الله الله، فما المراد بقوله (وَمَا رَمَيْتَ؟ حيث نُفِيَ الرمي عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: {إِذْ رَميتَ فأثبت الرمي له - صلوات الله وسلامه عليه ـ، وقال في آخره: وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى) فاسند الرمي إلى الله بأداة القصر التي تفيد أنه هو وحده الذي رمى دون غيره، فما المراد بهذا كله؟

وتعالى

إذا أمعنا النظر واستر شدنا بالعقل نستطيع أن نتبيّن الحقيقة وأن المراد بقوله: {وَمَا رميت ما سددت الرمي، فالإنسان يفعل ما يفعل ولكن لا يستطيع أن يسدد فعله فإن الله - تعالى - هو وحده الذي يسدد أفعال العباد: على العبد أن يسعى ويبذل جهده

ويقضي إله الخلق ما كان قاضيا

فإذن معنى قوله: {إِذْ رَمَيْتَ: إذ وقع منك الرمي حقيقة، فقد وقع منه، ولكن لم يقع منه التسديد، ومعنى قوله: {وَلَكر اللَّهَ رَمَى أنه هو الذي سدد رميه عليه الصلاة والسلام، فإذن نتبيّن من طريق الفهم الصحيح الذي جاء من العقل السليم أن الإنسان لو فعل ما فعل لا يستطيع أن يسدد فعله حتى يؤتي ثماره المرجوة، وإنما الله الله هو الذي وغاية ما يقدر عليه الإنسان أن يعدّ العدّة ويأخذ بالأسباب ويتوكل مع الله تعالى ليقضي في أمره ما يريد؛ لأنه يصرف الوجود كله بحسب إرادته ومشيئته.

يسدده

ذلك على

ثم إننا نجد في كتاب الله له كثيراً من العبارات التي ظاهرها بحسب معاني كلماتها تدلّ على أمور بعيدة لا تتفق مع براهين العقل ولا نصوص الشرع، ولكن يستطيع الإنسان من خلال القرائن المختلفة - من بينها دلالة العقل - أن يتبيّن ما هو القصد منها، مثال ذلك: أن الله - تبارك وتعالى - يقول في المسيح: وَكَلِمَتُهُ أَلْقَيْهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحُ مِنْهُ} [النساء: 171]، 171]،

:

181

١٨١ / ٤٩٤