لقاءات في الفكر والدعوة أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

لقاءات في الفكر والدعوة

الجزء ١ · صفحة ١٨٢

182

لقاعات

في الفكر و الدعوة

فإنه من المعلوم أن المسيح ليس كلمة مركبة من حروف ملفوظة أو مكتوبة وإنما هو إنسان كسائر البشر خُلق وحَمَلَتْهُ أمه ووضعته، وفيه طباع البشر والأعضاء البشرية المعهودة في أجساد البشر جميعاً، وإنما المراد بكونه كلمة وأنه روح من الله هو أنه خُلق بكلمة «كن» ولم يخلق بحسب النواميس الطبيعية التي جعل الله تعالى سُنَّة الخلق قائمة عليها، فهو لم يولد بتلاقح حيوان منوي من ذكر وبيضة من أنثى، وإنما كان خلقه بكلمة كن وبنفخة من جبريل أرسله الله الا الله إلى مريم فكان بذلك سرًّا من أسرار غيب الله - تعالى -، والسر يُعَبَّرُ عنه بالروح، فهذا هو المقصود من وصفه بأنه كلمة من الله منه. وروح

الذي

وار رو وو دو

وقد وجد من المسلمين من تسكّع في الضلالة وهام في أوديتها السحيقة وبعد كل البعد عن الحقيقة، إذ استمسك بالقشور وأعرض عن اللباب، وأخذ بالظواهر وترك الحقائق، فأولئك لا يختلفون عن النصارى الذين احتجوا بقوله الا الله في المسيح: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَيْهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحُ مِنْهُ﴾ [النساء: 171]، لإثبات ما يزعمون فيه من الإفك، ولذلك جاءوا إلى النبي الله ليناظروه في المسيح وطبيعته محتجين بما وصف به في القرآن. فما أشبه الليلة بالبارحة فإن الذين أخذوا بالظواهر فيما جاء من وصف الله تعالى في القرآن والسُّنَّة لا يختلفون عن هؤلاء؛ فكم في كتاب الله الا الله وفي سُنَّة نبيه كلمات متشابهة لو حملت على ظاهرها - كما يحرص أولئك الذين يأخذون القشور ويتركون اللباب - لأدّى ذلك إلى تناقض معانيه واضطراب مفاهيمه حتى لا يكون بينها اي انسجام، فانظر مثلاً إلى قول الله - تعالى -: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص: 88]، فإن حمل الآية على ظاهرها وترك تأويلها يؤدي إلى معنى ينقض التوحيد من أساسه، وهو أن يكون الله الله يفنى كغيره من الأشياء ويبقى وجهه وحده، وإنما ذلك حسبما يتصورن من أنه - تبارك وتعالى - مجزأ، وأنه يتكون من أعضاء، فهو على ذلك يكون فانياً أجزائه بجميع التي أثبتوها له من اليدين والرجلين والجنب وغير ذلك مما قالوه فيه، وإنما يبقى الوجه وحده، وهذا أمرٌ يؤدي إلى نقض عقيدة التوحيد من أساسها بما يقتضيه من كون الله - تبارك وتعالى - يهلك مع الهالكين ولا يبقى إلا وجهه تعالى الله عن ذلك. وكذلك قوله: فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ} [البقرة: 115]، فإن حمله على ظاهره وترك تأوله بحسب براهين العقل ونصوص الشرع يؤدي إلى أن يكون وجه الله - تعالى الله -

١٨٢ / ٤٩٤