لقاءات في الفكر والدعوة
الجزء ١ · صفحة ١٨٣الدور الإصلاحي لعلماء الإباضية
متدلياً من عرشه؛ لأنهم يحصرون الذات العلية في العرش فيكون كالخرطوم النازل إلى الأرض حتى لو ولى الإنسان إلى أي جهة من جهات الأرض لوجد هذا الوجه هنالك، هذا ما يؤدي إليه الانحباس في مضايق الألفاظ وعدم تسريح الأفكار لتجول في فضاء المعاني
حتى تستقر على حقيقة ما يراد.
ونحو ذلك ما لو حمل على ظاهره قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يحكيه عن ربه ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها إذ لا يعدو ظاهره أن يكون معناه أن المتنفل المحبوب عند الله يتحول سمعه وبصره ويده ورجله إلى حقيقة الذات الإلهية فيكون عابداً لأعضائه.
ومثله ما يحكيه عليه الصلاة والسلام عن ربه و أنه قال: «من تقرب مني شبراً تقربت إليه ذراعاً ومن تقرب مني ذراعاً تقربت إليه باعاً ومن أتاني يمشي أتيته هرولة» … إلخ، فإنه لا يخفى على عاقل أن ظاهره مستحيل فيستحيل أن يكون هو المراد منه، ويتبيّن من هذا بأن هذا ونحوه لا يعدو أن يكون تمثيلاً لتقرب العبد إلى الله بالأعمال وتقريب الله تعالى له بالقبول ورفع الدرجات.
ومن ناحية أخرى فإن هؤلاء يعولون على الروايات الأحادية في القضايا العقدية، وهذه الروايات منها الصحيح ومنها غير الصحيح، والرواية الأحادية وإن صحت من حيث السند فإنها ظنية من حيث الثبوت؛ لأن ثبوتها ظني، ذلك لأن صحتها لا تعدو أن تكون ظنّاً وليست يقيناً لما يعروها من احتمالات متعددة ولو جاءت من طرق الثقات فإن الثقة يعروه النسيان والذهول والوهم، فما لم يكن ثابتاً بالتواتر القطعي لا تعدو أن تكون صحته ظنّية ولذلك كانت دلالته أيضاً دلالة ظنية، ولذلك رد بعض الصحابة روايات جاءت من طرق صحابة ثقات من غير أن يتهموهم بكذب قط، وإنما نظروا إلى احتمال اللبس والوهم والذهول والنسيان، ومع هذا فإن هؤلاء يأخذون بهذه الروايات الأحادية ويجعلونها عين الدين ويقطعون بها في أمر الاعتقاد مع عدم حملها على المحمل الصحيح الذي يتفق مع براهين العقل ونصوص الشرع القاضية باستحالة مشابهة الله تعالى لخلقه، فتراهم يعولون على الظواهر ولا يكلفون أنفسهم مؤونة النظر في المعنى المراد.
183