لقاءات في الفكر والدعوة
الجزء ١ · صفحة ١٨٤184
لقاعات
في الفكر و الدعوة
ومن ذلك أنهم أثبتوا لله تعالى الحركة والانتقال من مكان إلى آخر فقالوا بأنه ينزل بذاته آخر كل ليلة إلى السماء الدنيا نزولاً حقيقياً تعويلاً على ما جاء في الروايات عنه أنه قال: «يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ يَقُولُ مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ».
مع أن حمل هذا الكلام على ظاهره وإثبات نزول حقيقي لذات الله سبحانه آخر كل ليلة منذ بداية الثلث الأخير منه إلى سماء الدنيا لا يؤدي إلى التناقض مع العقل والشرع من حيث دلالتهما على تنزيهه تعالى عن الحد والحيز والحركة والانتقال فحسب بل يؤدي مع ذلك إلى التناقض مع حقائق الوجود ونظام الكون التي أصبحت من البدهيات المسلمة عند الجميع، فإن الثلث الأخير من الليل في الأرض ليس هو جزءًا بعينه من الوقت لا يتقدم ولا يتأخر في أي جزء من الأرض، وإنما الليل والنهار يلفان الكرة الأرضية ويتعاقبان على كل جزء من الأرض، فهذا الوقت الذي نحن فيه هو من الثلث الأول من الليل، وهو بالنسبة إلى قوم الثلث الأخير من الليل، وبالنسبة إلى آخرين هو الثلث الوسط، وبالنسبة إلى آخرين هو الثلث الأول من النهار، وبالنسبة إلى آخرين هو الثلث الوسط من النهار، وبالنسبة إلى غيرهم هو الثلث الأخير من النهار، فإن أي جزء من الليل أو النهار لا تخلو جميع الأرض، إذ جميع أجزائهما تتعاقب عليها فيكون لكل جزء من الأرض جزء منها بحسب موقعه ثم ينتقل عنه إلى ما بعده، فإن حمل الحديث على ظاهره، فهل معنى ذلك أنه يبقى الا الله باستمرار متحركاً بين سماء الدنيا والعرش؟! بحيث لا يبقى في العرش إلا وهو ينزل فيها إلى سماء الدنيا لأنه وصل الثلث الأخير من الليل عند قوم؟!
منه
لحظة
إن العقل السليم والفهم الواعي لا يمكنهما تقبل مثل هذا الأمر؛ لأنه يؤدي إلى التصادم مع الواقع، ويؤدي إلى تكذيب الدين وَرَدِّهِ إن بنيت عقيدته على ذلك كما وقع ذلك للنصارى، فإنهم عندما أوجدوا ما يسمى عندهم بالجغرافيا المسيحية، وفسّروا الكون بحسب مضامينها، وجاء اكتشاف الحقائق الكونية من خلال الدراسات العلمية؛ وقع التصادم بين العلم والمعتقد الكنسي، وأدى ذلك إلى أن تنصب المشانق للعلماء، وأن تسفك دماؤهم، وأن يُحَرَّقَ بعضهم بالنار، فقد أُحرق كثير منهم لأنهم قالوا بأن الأرض كروية، وأدى ذلك إلى نفور الناس عن الدين؛ لأنهم وجدوا أن الدين لا يتفق مع الحقيقة التي وصل الناس إليها.