لقاءات في الفكر والدعوة أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

لقاءات في الفكر والدعوة

الجزء ١ · صفحة ١٨٥

الدور الإصلاحي لعلماء الإباضية

كما أدى ذلك إلى الآن يُفَسَّرُ الدين في أوروبا بأنه الشيء الذي لا يتفق مع العلم والعقل، بينما الذي نجده من الحقائق في القرآن الكريم يدلّ على أن الدين هو الأمر الذي يتفق مع دلائل العقل ودلائل العلم، فالنصوص القرآنية كلها دالّة على ذلك، سواء ما يتعلق بالذات الإلهية أو الحقائق الكونية أو المنقلب في اليوم الآخر، فنجد مثلاً عندما يقرر القرآن حقيقة هي أعظم الحقائق وأجلها، وأقدسها وهي وحدانية الله - تبارك وتعالى - في قوله عل: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهُ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ) [البقرة: 163]، يَتْبَعُ ذلك ما يدلّ على أن الكائنات بأسرها من فكّر فيها وأمعن نظره في انسجامها وترابطها ونظامها البديع الذي يجمع بين أجزائها أدّى به فكره إلى الإقرار بهذه الحقيقة وإدراكها كما دلّ عليها القرآن الكريم، فالله يقول بعد هذه الآية: إنّ في خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِى فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 164]. كذلك يقول - تعالى -: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وسلم عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى اللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ، حَدَابِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَن تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَوَلَهُ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ * أَمَن جَعَلَ الْأَرْضَ فَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَوِ لَهُ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَولَاهُ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا نَذَكَرُونَ * أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ الرِّيحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَى رَحْمَتِهِ أَوِلَهُ مَّعَ اللَّهِ تَعَلَى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمَن يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَعِلَهُ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَنَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [النمل: 59 - 64].

ومعنى هذا أن الله الله عندما يبين هذه الحقيقة العظمى يرشد عباده إلى أن يستدلوا عليها بالعقل، ونجد في كتاب الله الله ما يدل على أن العقل له شأن، وأن على الإنسان أن يستهدي به، وأن لا يُلْغِيَهُ كما ألغاه أصحاب العقائد الضالة ومن بينها اصحاب العقائد النصرانية، ولذلك عندما يناقشون في معتقداتهم الباطلة يقولون بأن هذا أمر لا يمكن أن يتوصل إليه الإنسان بعقله، فالعقل أعجز من أن يصل إلى الحقائق.

185

١٨٥ / ٤٩٤