لقاءات في الفكر والدعوة
الجزء ١ · صفحة ١٨٦لقاعات
في الفكر و الدعوة
وهكذا شأن الذين أهملوا جانب العقل من المسلمين هم مثل هؤلاء عندما يناقشون بحسب مقتضى العقل يقولون هذه بدعة، وأنتم أهل البدعة تحاولون أن تردّوا النصوص بعقولكم المريضة، ويقال لهؤلاء بأن هذا ليس ردّاً للنصوص، وإنما هو حملٌ لها على المعنى الصحيح الذي يتفق مع العقل السليم ويتفق مع سائر النصوص الشرعية، فلا يكون بينها تناقض ولا اضطراب.
-
وأصحابنا - بحمد الله - لم - لم يُهملوا أياً من هذين الأصلين فهم لم يفرّطوا في النص، إذ لم يعولوا على العقل وحده ويهملوا جانب الشرع بحيث إذا بدا بادئ ذي بدء اختلاف بين العقل والشرع تطاولوا على الشرع بالرد والنقض، كلا وأيضاً هم لم يُهملوا جانب العقل، بل استهدوا بنوره في فهم معاني النصوص، ولذلك حملوا المتشابه على المعنى الصحيح الذي يتفق مع النقل الصحيح والعقل السليم.
الله
ومن ذلك أنهم جعلوا محكمات الآيات هي الأصل في فهم المتشابهات كما دلّ عليه القرآن في قوله تعالى: {هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ) [آل عمران: 7]، إذ ليست أُمومتها كالأمومة المعهودة بحيث تكون أمومة ولادة، وإنما هي أُمومة أصالة، بحيث تُردّ الآيات المتشابهات إليها؛ لأن الآيات المحكمات هي الأصل لهذه الآيات المتشابهات، فيجب أن يُؤخذ بالآيات المحكمات وأن تفسر الآيات المتشابهات بما يتفق معها، فلذلك كان موقف الأصحاب - رحمهم تعالى - موقفاً سليماً، وذلك لم ينحصر فيما اصطلح عليه الجميع بأنه متشابه أو أنه محكم، فهناك أشياء وقع فيها الخلاف ما هو المحكم منها وما هو المتشابه؟ وإنما استهدى أصحابنا - رحمهم الله - بالأدلة القطعية من النصوص وأدلة العقل على ما تمسكوا به من تنزيه الله تعالى كقضية الرؤية، فإن الأدلة التي تدلّ على استحالة رؤية الله تعالى أدلة في منتهى الوضوح والجلاء، ولكن ماحك فيها كثير من الناس وأخذوا يجادلون فيها مجادلات باطلة وتعلقوا بالمتشابهات، كقوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَتِهَا نَاظِرَةٌ) القيامة: 22، 23]، أن النظر هنا ليس بمعنى الرؤية، إذ النظر لا يُفَسَّرُ في كل موقف بالرؤية، يُقال: نظرتُ الهلال ولم أرَه، ولا يجوز أن يقول قائل: رأيت الهلال ولم أره؛ لأن في ذلك من التناقض ما لا يخفى، والنظر له معانٍ، فهو يأتي بمعنى الرؤية أحياناً، ويأتي بمعنى الانتظار، ويأتي بمعنى محاولة الرؤية كما هو معهود، ويأتي بمعنى الرحمة كقوله
مع
186