لقاءات في الفكر والدعوة أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

لقاءات في الفكر والدعوة

الجزء ١ · صفحة ١٨٧

الدور الإصلاحي لعلماء الإباضية

هنا

تعالى: ﴿وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: 77]، أي لا يرحمهم يوم القيامة، فلو كان النظر هنا بمعنى الرؤية لا بمعنى آخر للزم أن يكون الله الا الله لا يرى أولئك الذين توعدهم يوم القيامة تعالى الله عن ذلك، وهو في قوله: {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) بمعنى منتظرة لرحمته ودخول جنته، وهذا ما دلّت عليه القرائن، إذ السياق قاض بذلك، والأصل فيه الآيات المحكمات مثل قوله تعالى: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَرَ) [الأنعام: 103]، فالإدراك لا يمكن ان يُفسَّرَ أنه بمعنى الإحاطة في كل موقف، وإنما إدراك كل شيء بحسبه، والحواس تُدرك بحسب ما أوتيت من الطبع، فإدراك الذوق إنما هو بمعنى التمييز بين المذاقات، وإدراك اللمس إنما هو التمييز ما بين الملموسات وإدراك العين إنما هو بمعنى وقوع بصرها على الشيء المرئي، وإدراك الأذن بمعنى سماعها، وهكذا كل شيء إدراكه إنما هو بحسبه. ومن العجيب أن نجد كبار العلماء المحققين من هؤلاء قد يصل الأمر إلى المجادلة التي يحار منها العقل، مثال ذلك ما نجده للفخر الرازي في تفسير قول الله - تبارك وتعالى -: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَرَ﴾ [الأنعام: 103]، حيث حاول أن يجعل من الآية دليلاً قطعياً على أن رؤية الله - تبارك وتعالى - سَتَقَعُ بلا شك، فقال بأن هذه الآية هي قطعية الدلالة على ثبوت رؤية الله، تبارك وتعالى. ولننظر أولاً في تأصيلات الفخر فيما يتعلق بالألفاظ، فإن من تأصيلاته: أن دلالة الألفاظ كيفما هي دلالة ظنية، فليس هناك لفظ دلالته قطعية، لأن فهم مقاصد الألفاظ يتوقف على النقول، وهي أحادية ولذلك كانت دلالتها ظنية، وما توقف على الظني فهو ظني مثله - هكذا يقول - في حين أنه يقول: بأن قول الله تعالى: (لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَرَ هو تمدح منه - تبارك وتعالى - بنفي الإدراك والرؤية عنه.

بهم

كانت

وإذا كان ذلك تمدحاً منه عمل بنفيهما عنه فعلينا أن ندرك بأن الله تعالى لا يتمدح بشيء

عدمي،

ود

وإنما يتمدح بأمر واقع، وعلى هذا فإن هذا التمدح منه - تعالى - بهذا النفي دليل على إمكان ما تمدح به، وإذا كان ذلك ممكناً فلننظر إلى قول الناس في قضية رؤيته تعالى نجدهم بين من يقول بإمكان الرؤية ووقوعها، ومن يقول باستحالتها وعدم وقوعها، ولم يوجد فريق ثالث يقول بإمكانها وعدم وقوعها، ولما كان الأمر كذلك فعلينا أن نقطع بأن الرؤية ممكنة، وإذا كانت ممكنة قطعاً فهي واقعة قطعاً؛ لأنه لم يُوجد أحد يقول بإمكانها وعدم وقوعها.

187

١٨٧ / ٤٩٤