لقاءات في الفكر والدعوة أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

لقاءات في الفكر والدعوة

الجزء ١ · صفحة ١٨٩

الدور الإصلاحي لعلماء الإباضية

يعمل. ومعنى ذلك أن منهاج هذا الإنسان يجب أن يكون مقيّداً بشرعة الله تعالى، وأن لا يتصادم قط مع شيء من أوامر الله الله، والحياة البشرية حياة متطورة كما هو معهود، سُنَّة الحياة هكذا منذ وجدت فهي تجري وسفينة التطور تعبر محيطها إلى الأمام، ولم تَرْسُ أبداً في وقت من الأوقات، ولن ترسو إلى أن يصل ميقات رسوها عندما يرث الله - تبارك وتعالى - الأرض وما عليها.

فإن

وإذا كانت هذه التطورات كانت تسير عبر القرون السابقة سيراً يتلاءم مع وضعية تلكم القرون، فإنها في عصرنا هذا تسير سيراً حثيثاً، فإذا كانت تقاس في الأيام الماضية بالحركة المعهودة عند البشر، وهي حركة الانتقال على الأقدام أو حركة ركوب الدواب والسير عليها أو الركوب على أرماث البحر والانتقال بها من مكان إلى مكان، فإنها في وقتنا هذا تقاس بسرعة الضوء، فنحن نجد أن الرسالة عبر القرون الخالية كانت تتلقفها الأيدي، وتسير بها الركبان حتى تصل إلى غايتها بعد آماد طويلة، ولكن الرسالة اليوم عبر ما يسمى بالبريد الإلكتروني تصل في نفس اللحظة من شتى بقاع الأرض إلى حيث يُرَادُ لها أن تصل في أي بقعة من بقاعها، فهي تصل من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، ومن أقصى الغرب إلى أقصى

الشرق بهذه السرعة المذهلة وهكذا سُنَّة الحياة أصبحت تتطور الآن هذا التطور المذهل.

الأمة

والمسلمون إن لم يصاحبوا هذا التطور بالتنافس في ميدانه حتى يحوزوا فيه قصبات السبق، ويتقدّموا الأمم، ويأخذوا بزمام قافلتها، ويكونوا هم الربان الماهر لسفينة هذه الأمم؛ فإنهم سيصبحون متخلفين، وكذلك عندما يكونون غير قادرين على استيعاب هذه التطورات من حيث إعطاء الحلول لمشكلاتها المستجدة؛ فإن أُمتهم ستكون مفتقرة إلى الحلول الأخرى التي تفرزها تلكم العقول المظلمة الخاوية من الروح ومن القيم الدينية، وهذا يعني انتكاسة خطيرة في عالم هذه الإسلامية كما وقعت هذه الانتكاسة الخطيرة في عالم الأمم المتحضرة بسبب فقدانها الحل الصحيح الذي هو من عند الله الله، لذلك كانت ضرورة توفير القدرة على استنباط الأحكام من الأدلة الشرعية من أجل أن يُنزل كل شيء منزله، ومن أجل أن يُبوّأ كل ما يحدث مبوّأه من الحكم الصحيح. فالله - تعالى - أنزل كتابه فيه تبيان كل شيء، لكن لا عن طريق النص على كل حادثة، وإنما ذلك عن طريق الأصول والقواعد التي يمكن أن يرجع إليها، وجاءت السُّنَّة النبوية

189

١٨٩ / ٤٩٤