لقاءات في الفكر والدعوة أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

لقاءات في الفكر والدعوة

الجزء ١ · صفحة ١٩

آداب السؤال والاختلاف

وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله كره لكم قيل وقال وكثرة السؤال» (رواه البخاري ومسلم)، يحتمل أن يحمل على هذا المعنى كما حمله على ذلك بعض الشرّاح، ومن المحتمل أن يكون المراد بذلك السؤال الذي فيه تنطع كما كان من بني إسرائيل عندما أُمروا أن يذبحوا بقرة، قيل لهم اذبحوا بقرة، لكنهم أخذوا يتنطعون بالسؤال بحيث يدققون تدقيقاً عجيباً فضُيِّق عليهم بقدر ما ضيقوا على أنفسهم، ولو أنهم عندما قيل لهم اذبحوا بقرة تناولوا أي بقرة كانت لكان ذلك مجزياً وكافياً، ولكنهم أخذوا يدققون ويتنطعون، فسألوا موسى الا عندما قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: 67]، قالوا: ﴿أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ يبين لَنَا مَا هِىَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضُ وَلَا بِكْرُ عَوَانُ بَيْنَ ذَلِكَ فَأَفْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾ [البقرة: 68]، ولم يكتفوا بها ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ، يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاهُ فَاقِعُ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّظِرِينَ﴾ [البقرة: 69]، ولم يكتفوا بهذا بل قَالُوا أَدْعُ لَنَا رَبِّكَ يُبَين لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَبَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِن شَاءَ اللهُ لَمُهْتَدُونَ} [البقرة:]، هكذا ضيق عليهم بقدر ما ضيقوا على أنفسهم، وهكذا كان النبي الله يكره مثل هذه الأمور كسؤال بعض الناس عندما سأله: الحج واجب علينا في كل عام؟ لذلك اشتد النبي صلى الله عليه وسلم وغضب حتى احمر وجهه لأنه لو قال نعم لكان ذلك واجباً وهم لا يقدرون على أن يفعلوا ذلك (رواه الربيع ومسلم).

المحاور: سماحة الشيخ، قد يقول البعض: أصبح الآن معرفة الأحكام أمراً متاحاً لكل أحد من خلال الرجوع للقرآن والسُّنَّة ما داما المصدرين الشرعيين لاستنباط الأحكام، لماذا لا يتاح لأي مسلم إشغال عقله واستثمار هذه المصادر المتاحة أمامه الآن ليستنبط الحكم منه؟

ليس كل أحد قادراً على الاستنباط، فالاستنباط يتوقف على فنون شتى، فمن المعلوم أن الله - تبارك وتعالى - أنزل القرآن بلسان عربي مبين، واللغة العربية هي أوسع اللغات، فلذلك هيأها الله - تعالى - لتكون وعاء لكلامه، فأنزل بها كتابه، وجاءت ثُنَّة النبوية على صاحبها - أفضل الصلاة والسلام - بلسان عربي مبين أيضاً، ولكن اللغة العربية دخلها الكثير من العجمة بسبب دخول أمم في دين الله، فلذلك احتاجت اللغة إلى فنون شتى، وقد تسابق الناس إلى خدمتها، وكان العجم أكثر من العرب عناية

19

١٩ / ٤٩٤