لقاءات في الفكر والدعوة
الجزء ١ · صفحة ١٩١الدور الإصلاحي لعلماء الإباضية
وأصبح لا يملك من الحق شيئاً إلا أن يقول سمعنا وأطعنا، فوضعت الروايات الكثيرة من قبل أولئك الذين يتزلفون إلى المتحكمين في أمور الناس حتى تكون الشرعية مضفاة على كل ما يأتونه، فقالوا: بأنه تجب الطاعة والامتثال لمن تسلّط ولو أكل مالك وضرب ظهرك. وكان كثير من الناس الذين حملوا الفقه رضوا لأنفسهم أن يكونوا أبواق دعاية لذلك النظام المتسلط آنذاك في مقابل أن يعيشوا على فتات العيش المتساقط من أيدي أولئك
الظلمة.
ولكن الله - تعالى - يهيئ في كل وقت من يسوس الناس بسياسة الإسلام ويبين لهم معالم الحقيقة؛ لئلا تضل عقول جميع الناس، وكان من بين هؤلاء في ذلك العصر الإمام أبو الشعثاء جابر بن زيد مع وجود كثير من الناس الذين كانوا متنورين حقاً وكانوا يقفون في وجوه الظلمة من أمثال الحسن البصري وسعيد بن جبير وغيرهم من الذين وقفوا في وجوه الظلمة وقالوا لهم كلمة «لا»، وإنما تميز الإمام أبو الشعثاء جابر بن زيد بأنه على تكوين جماعة تحمل هذا الفكر، وتسير في هذا النهج، وتجمع ما بين الجانب الديني والجانب السياسي، كانت هذه الجماعة هي جماعة أهل الحق والاستقامة.
حرص
وقد خلفه فيما بعد في قيادة هذه الجماعة تلميذه العملاق الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة ـ رحمه الله تعالى ورضي عنه -، فكان نعم القائد المحنك الذي جمع بين الفقه في الدين والبعد السياسي والنظام الدقيق الذي نشأ عنه تخطيط عميق لسير هذه الدعوة في وسط تلكم الأعاصير الهوجاء، ومع ما أصيب به من إيداعه السجن والتنكيل به خرج من ذلك السجن بعزيمة الرجل المؤمن الموصول بالله - تبارك وتعالى ـ، فحمل الراية بصدق وأمانة، وبقوة وجدارة وكان يقظاً يتابع ما يجري في هذا العالم، ويرسل الدعاة إلى أرجاء الأرض مع الاستفادة من الظروف السياسية والاجتماعية التي كانت تحيط بالمجتمعات التي يحاول إصلاحها، وبذلك شاء الله - تعالى - أن يكتب له النجاح.
مع
ونحن علينا أن نتعلم من هذا القائد المحنك حرصه على تتبع ما يجري في آفاق الأرض. م أن العصر في ذلك الوقت - كما تعلمون - لم يكن بحسب ما نشاهد ونعايش في هذا العصر من توفر الوسائل - وسائل الاتصال ووسائل النقل - بحيث يمكن للإنسان أن يطلع على ما يجري في هذا العالم من أقصاه إلى أقصاه، وإنما كانت الأخبار تتناقلها الركبان، ولكن مع
191