لقاءات في الفكر والدعوة أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

لقاءات في الفكر والدعوة

الجزء ١ · صفحة ١٩٧

بيان حقيقة الإباضية ووسائل التقريب بين المذاهب الإسلامية

تنفر، وهي الشورى الجماعية بين المسلمين، كما أرشدنا الله - تبارك وتعالى - إلى ذلك في قوله: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: 38]، ثم حصل ما حصل من خروج بعض المسلمين على الخليفة الشرعي علي بن أبي طالب - كرّم الله وجهه ـ، ثم كانت قضية التحكيم، وقد كان لأسلاف الإباضية موقف من هذا الحدث الخطير، وذلك أنهم رأوه تنازلاً من خليفة شرعي عن حق شرعي، فلم يسوغوه.

وعندما آل الأمر إلى الدولة الأموية انقلبت الأوضاع عما كانت عليه من قبل بحيث صار الخليفة هو الذي يعيّن من يحكم من بعده، وكان كل واحد يعيّن أقرب الناس إليه، فاعتبر كثير من الناس ومن بينهم (الإباضية) أن هذا الأمر هو خروج عن المنهج الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن نتبعه، ورأوا أن أمر الخلافة هو أكبر وأعظم وأجلّ من أن يفقد أهم أركانه وهو الشورى؛ لأنه أمر يعني الأمة بأسرها، والأمة بأسرها مطالبة بأن تحافظ على حرمات الله، وأن تقوم بشريعة الله، وأن تقيم موازين القسط في هذه الأرض، وهي مسؤولة كلها عن ذلك، فلو عادت الخلافة إلى فرد يتحكم فيها أو إلى أسرة تتحكم فيها بحسب ما تريد؛ فإن ذلك يؤدي إلى نقض عرى هذا الدين عروة عروة، وفعلاً حصل ما حصل حتى قال أحد الخلفاء: «من قال برأسه هكذا قلنا له بالسيف هكذا، وفي هذا إسكات للألسن أن تقول كلمة الحق، بخلاف ما كان الأمر عليه في عهد الخلفاء الراشدين، فإن عمر بن الله تعالى عنه ـ قال على الملأ: «أيها الناس إذا رأيتم في أعوجاجاً فقوموه». فقال له أحد الناس: والله لو رأينا فيك اعوجاجا لقوّمناه بسيوفنا»، ولم يكن هذا الردّ داعياً إلى أن يتبرم أمير المؤمنين ممن صدر منه، أو أن يتأذى منه، أو أن يعدّه تعدياً على السلطة، أو تمرداً عليها، وإنما عدَّ ذلك من محامد الأمة حتى حمد الله أن جعل في هذه

الخطاب - رضي

الأمة

من يقوّم اعوجاج عمر بسيفه.

على

وهذا دليل على أن المنهج الذي اجتمع عليه الخلفاء الراشدون - رضوان الله عليهم - كان منهجاً واضحاً لا غبار عليه، ومستقيماً لا اعوجاج فيه، وأن الأمور ساءت فيما بعد، وكانت هذه الفترة بما فيها من أحداث مخاضاً لأفكار متعددة في الأمة حتى تبلور الفكر الذي سمي فيما بعد بالمذهب الإباضي، وذلك في الحركة التي قام بها بعض الناس الذين كان لهم اتصال بالمحكمة الأولى، ومن بين هؤلاء: عبد الله بن إباض الذي تولى مسؤولية الدفاع عن المستمسكين بالمنهج الذي كان عليه الخلفاء الراشدون وكانوا امتداداً للمحكمة

197

١٩٧ / ٤٩٤