لقاءات في الفكر والدعوة أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

لقاءات في الفكر والدعوة

الجزء ١ · صفحة ١٩٨

198

لقاعات

في الفكر و الدعوة

فلذلك

الأولى، ومع هذا لا يعدّ هذا القائد الإباضيون إماماً لهم يعول على آرائه في الشريعة كما هو شأن سائر أئمة المذاهب الإسلامية، الذين كان لهم فقه مدوّن، وكانت لهم آراء محفوظة، واجتهادات معلومة، وإنما كان عبد ناطقاً الله بن إباض باسم هذه الجماعة نسبت إليه، فاشتهرت فيما بعد بلقب الإباضية، ولهذا لا تجد في كتب الفقه مسألة واحدة تنسب إليه قط، لا في فقه الإباضية ولا فقه غيرهم، وإنما كان هو الواجهة، وكان متكلماً باسم الجماعة، والممثل لها لدى السلطة، ولبروز هذا الرجل نَسَبَ الناسُ هذه الجماعة - وهي الإباضية - إليه وإلا فإن المنظر الحقيقي لهذا المذهب هو الإمام أبو الشعثاء جابر بن زيد، وهو من أكبر تلامذة الصحابي الجليل عبد الله بن عباس ما.

وقد كان الإمام جابر يعالج القضايا بسرية وتكتم، ويهيئ الجماعة التي تقوم بهذا الأمر، وكان له في ذلك أعوان، ومن هؤلاء الأعوان من هو معدود من الصحابة، مثل: صحار بن عباس العبدي، فقد ذكر الحافظ ابن حجر أن له رواية عن الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم جاء دور الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي وهو تميمي بالولاء، وكان ذا أهلية للقيادة، وقد اجتمعت فيه المؤهلات القيادية التي تفوّق بها على أقرانه، وقد - كان مع فقره وضعفه وكونه فَقَدَ بَصَرَهُ - مؤمناً قويّاً يدير هذا الأمر في سرداب في أرض البصرة، ويفتح بصيرته على ما يجري في العالم، وكان يرسل الرسل إلى أصقاع الأرض دعاة إلى الحق، وفي ذلك الوقت كانت الفتوحات تتوالى ولكن كما ذكر صاحب (المُغْرِب في تاريخ المَغْرِب) من أن أُمية استغلوا الفرصة لإشباع شهواتهم من وراء ذلك، فكانوا يأكلون أموال الناس، ويبحثون عن الجواري، وكان قطيع من الغنم يذهب سدى تقتيلاً من أجل البحث عن جلد على لون العسل في الأجنة التي في أرحام أماتها، وعندما بلغت أبا عبيدة هذه الأخبار أرسل أحد أصحابه

وهو

بني

أنحاء

سلمة بن سعد إلى بلاد المغرب، فكان لسلمة دور كبير في نشر هذا المذهب في كثيرة من بلاد المغرب، وهو الذي قال عند وداعه لأستاذه وقائده أبي عبيدة: «وددت لو ظهر هذا الأمر يوماً واحداً في بلاد المغرب ثم لا أبالي أن تضرب عنقي».

هكذا كان للإمام أبي عبيدة دور كبير في نشر هذا الفكر النيّر والفقه الواسع اللذين تبلورا في هذا المذهب سواء في بلاد المغرب أو في بلاد المشرق، وقد وصل أصحابه إلى خراسان، ومنهم من كان في أرض العراق، ومنهم من كان في أرض اليمن، ومنهم من كان في عُمان، ومنهم من وصل إلى مصر، ومنهم من وصل إلى المغرب بعد ريادة

١٩٨ / ٤٩٤