لقاءات في الفكر والدعوة
الجزء ١ · صفحة ١٩٩بيان حقيقة الإباضية ووسائل التقريب بين المذاهب الإسلامية
سلمة بن سعد لهم فيه، وتكونت المجموعة المعروفة بـ حملة) العلم إلى المغرب) من مدرسة أبي عبيدة بالبصرة.
مكة
وفي أيام أبي عبيدة عُقِدَتْ ثلاثُ إمامات، فقد عُقدت الإمامة أولاً في بلاد المشرق للإمام طالب الحق عبد الله بن يحيى الكندي، الذي أوفد إلى الحجاز أبا حمزة الشاري المشهور، وكانت بيعة طالب الحق في اليمن، ووصل جيشه إلى الحجاز، وتمكن أبو حمزة من دخول بهم وقاتل، وقوتل في أرض قديد وانتصر، ثم بعد ذلك قوتل فكانت الكرة عليه. ولعلنا إن رجعنا إلى التأريخ عرفنا المنهج الذي سارت عليه هذه الجماعة المعروفة بالإباضية، فعندما دخل طالب الحق بلاد صنعاء - وكان هو وأصحابه على فقر مدقع، حتى وصفهم أبو حمزة بأن النفر الكثير منهم كانوا يتعاقبون على بعير واحد ـ، وجدوا الأموال التي جباها القاسم الثقفي عامل بني أُمية من أهل صنعاء عنوةً، وكانوا قد تمكنوا من الاستفادة بها في مصالحهم غير أن الإمام طالب الحق لم يَسْتَبِحْ أن يأخذ منها شيئاً لنفسه ولا لأصحابه، بل وزعها بين أهل صنعاء لأنها أُخِذَتْ منهم بغير حق، فرأى أن
يردها عليهم، وهكذا كانت معاملة الإباضية لكل جماعة من جماعات المسلمين، ولو كانت باغية عليهم فإنهم لا يستبيحون شيئاً من أموالهم، وإنما يدفعون بغيهم بقتال من قاتل منهم من غير إجهاز على جريحهم ولا اتباع لمدبرهم إلا إن كان لهم ردء يرجعون إليه. وكذلك الإمام أبو الخطاب ـ وهو أول إمام بويع في المغرب ـ بعدما رجعت البعثة العلمية التي درست على يدي أبي عبيدة بالبصرة إلى بلاد المغرب، فقد استنجدت به امرأة من أرض القيروان تعرضت لظلم فادح من قبيلة ورفجومة الصفرية المذهب التي كانت تسيطر على بلاد القيروان، فذهب لإنجادها بجيش، وخَطَبَ في ذلك الجيش قائلاً: «إن هؤلاء لم يخرجوا عن ملة التوحيد، ولا نستبيح أن نأخذ من أموالهم شيئاً قط». وعندما وقعت المعركة وخرج الناس على أثرها من ديارهم ظنوا أنهم سيجدون المتاجر مسلوبة والمزارع متلفة لكنهم وجدوا عكس ذلك، وعندما مرّت امرأة بأرض المعركة ووجدت كل جندي قتيل فيها بسلبه لم تؤخذ أسلابهم قالت: «كأنهم رقود». فَسُمِّيَ ذلك المكان «رقادة» ولا تزال هذه التسمية إلى الآن.
وكذلك لم يكن الإباضية يجرؤون على قتل أحد أو قتاله إلا بعد أن يُقيموا عليه الحجة،
199