لقاءات في الفكر والدعوة
الجزء ١ · صفحة ٢٠٢202
لقاعات
في الفكر والدعوة
هنالك عدة عوامل، ومن ضمن هذه العوامل الظروف السياسية؛ لأن لها تأثيراً في إظهار الشيء بمظهره الصحيح أو إظهاره بعكس ذلك، وهذا أمر ملاحظ إلى وقتنا هذا، فنرى مع تقلبات الأوضاع السياسية أن الأمور تختلف وتنقلب رأساً على عقب، وبطبيعة الحال فإن الحكام الذين توصلوا إلى الحكم بطريق غير شرعي - بحسب المقاييس المتبعة عند الإباضية - تسؤوهم فكرة هذا المذهب، لا سيما وقد كان الحكام على مقدرة بأن يؤثروا في كثير من الرعايا حتى العلماء - إلا من رحم ربك - من ناحية الفقه السياسي؛ حتى صار من المسلمات عند الكل أن الحاكم تجب طاعته بَرَّ أو فجر، عدل أو جار، بغض النظر عن تصرفاته وأعماله، فهو ما دام يقول: «لا إله إلا الله علينا أن نخضع له وأن نطيعه، وأن ننقاد لأمره مهما كان، والإباضية لا يسلمون لهذا؛ لأن الآية في بدايتها يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) وهو خطاب موجه للمؤمنين أي المؤمنين حقاً ثم ولي هذه الجملة قوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء: 59]، أي من معشر الذين آمنوا، فمن نكث عهد الله وخرج عن الطريق الصحيح الذي أمر الله الله بأن يسير الحاكم عليه؛ فقد خرج عن دائرة الذين آمنوا الإيمان الصحيح، وإن كان لم يخرج من الملة، بل عن هذا الإطار الصحيح فقط، ونحن أمرنا بطاعة أولئك الذين يطيعون الله، ويتقونه، ويرعونه في أنفسهم باستقامتهم، وفي رعاياهم بإقامة موازين القسط فيما بينهم، فبسبب ذلك الفكر أشيع عن الإباضية بأنهم طائفة إرهابية، وأنهم جماعة خارجة عن المسلمين ومتمردة عليهم؛ وذلك لحرص أولئك الحكام على توطيد سلطانهم، ومن ناحية أخرى فقد تغلغلت التعصبات المذهبية في نفوس دهماء الناس وسرى تأثيرها حتى تحكم في نفوس كثير من العلماء وهي بدورها أدت إلى محاولة ضرب الحصار على كل من كان خارج إطار المذهب المتبع عندهم، بحيث يعتبر منبوذاً وبعيداً عن الملة وعن الحق.
ونحن نأسف أن نجد في علماء المسلمين من يجري في مثل هذا التيار فتجد في كلامهم وأحكامهم فظائع تقشعر لها الأبدان، فتجد مثلاً في (حاشية الصاوي على الجلالين هذا الكلام العجيب الذي يحار منه العقل ويطير منه اللب، حيث قال ما نصه: «ولا يجوز تقليد ما عدا المذاهب الأربعة ولو وافق قول الصحابة والحديث الصحيح والآية، فالخارج