لقاءات في الفكر والدعوة أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

لقاءات في الفكر والدعوة

الجزء ١ · صفحة ٢٠٣

بيان حقيقة الإباضية ووسائل التقريب بين المذاهب الإسلامية

عن المذاهب الأربعة ضال مضل، وربما أدّاه ذلك للكفر، لأن الأخذ بظواهر الكتاب والسُّنَّة من أصل الكفر (1).

ولم يكن هذا الكلام وشبهه أمراً نادراً فقد كان معهوداً شائعاً كثير من الناس فتجد اللقاني صاحب الجوهرة يقول:

جب تقليد حبر منهمُ

في

الأوساط العلمية عند

كما روى القوم بلفظ يفهمُ

أي لا بد من تقليد واحد من الأئمة الأربعة وإلا خرج عن هذه الجماعة، فكيف يُنظر في وسط تراكمات هذه الأفكار إلى الإباضية؟! فمن البدهي أن تكون النظرة إليهم نظرة زائغة عن الإنصاف إلا عند من رحم الله.

على أننا لا ننكر أن كثيراً من الناس قالوا فيهم كلمة الحق، وأنصفوهم وعاملوهم بالحسنى، فعلى سبيل المثال في عهد السلطان صلاح الدين الأيوبي عومل الإباضية أحسن معاملة في مصر، إذ كانوا أحراراً في أوقافهم ورد قضاؤهم في قضاياهم إلى أنفسهم، وكانت لهم حلقات علمية في جامع ابن طولون في عهد ذلك السلطان المجاهد، فكان عهداً متميزاً بحسن النظرة إليهم، وقد حفظ الإباضية لصلاح الدين الأيوبي تلك

عهده

اليد البيضاء وشكروه عليها.

والإباضية في كل وقت وفي كل عصر كانوا يحرصون على أن يكونوا مع الجماعة المسلمة، وأن يكونوا في المقدمة عندما يواجه المسلمون تحديات من قبل الآخرين، فعندما غُزِيَتْ الجزائر في أيام الدولة العثمانية من قبل الدولة الإسبانية، جاء الإباضية من موطنهم وادي ميزاب الذي يبعد عن عاصمة الجزائر أكثر من ستمائة كيلومتر وقاوموا الغزاة الإسبان، وخلّصوا العاصمة الجزائرية منهم، ولهذا كان للإباضية عند العثمانيين ميزة منذ ذلك الوقت، فكانوا هم الذين يشرفون على التذكية في الجزائر إبان حكم العثمانيين لأجل الثقة بهم في دينهم وأمانتهم حتى تكون التذكية شرعية

ليس فيها ريب.

(1) حاشية الصاوي تفسير الجلالين، 103، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان.

203

٢٠٣ / ٤٩٤