لقاءات في الفكر والدعوة
الجزء ١ · صفحة ٢١آداب السؤال والاختلاف
المطلقات قيدت، وأن المجملات بينت، وأن هناك منسوخاً وثَمَّ ناسخاً، فلا بد من فهم ذلك، ولا بد من فهم كيفية التخصيص للعمومات، وكيفية التقييد للمطلقات، وكيفية البيان للمجملات، هذه أمور لا يتمكن منها إلا الحاذقون الفاهمون الذين درسوا هذا الفن، وهو فن أصول الفقه.
فاني للعامي أن يأتي إلى القرآن الكريم وهو يجد في تضاعيف كتاب الله - تبارك وتعالى - أحكاماً شتى، هذه الأحكام جاءت عامةً، ولكنها خصصت بمخصصات متعددة، مثال ذلك قول الله - تبارك وتعالى -: (سُورَةُ أَنزَلْنَهَا وَفَرَضْنَهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَتِ بَيِّنَتِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذَكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ} [النور: 1، 2]، جاء حكم الزاني والزانية في كتاب الله أنه الجلد، ولم يفرق القرآن بين محصن وغير محصن، ولكن السُّنَّة النبوية التي أُجمع على صحتها وأخذت بها الأُمة جميعاً خصصت هذا العموم، ودلّت على أن هذا الحكم إنما هو خاص بالبكر، وأما المحصن فلا بد من رجمه، كذلك نجد أن الله - تبارك وتعالى - في تعداد المحرمات من النساء قال بعد ذلك: {وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ) [النساء: 24]، إلا أن السُّنَّة النبوية بيّنت أن ثُمَّ محارم لم يذكرها القرآن الكريم، فلا بد من تخصيص عموم القرآن في قوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: 24] بتلكم المخصصات التي وردت عليه، من ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تنكح المرأة على عمتها ولا المرأة على خالتها، لا الصغرى على الكبرى ولا الكبرى على الصغرى» (رواه أبو داود والترمذي). كذلك القرآن الكريم عندما تعرّض للمحارم من قبل الرضاع إنما ذكر الأُمهات والأخوات فقط، ولكن السنة النبوية على صاحبها - أفضل الصلاة والسلام - بيّنت أن المحارم تتعدى ما ذكر القرآن إلى كل ما يحرم من قبل النسب، فقد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي: يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» (رواه الربيع والبخاري، وثبت عنه: «يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة» (رواه البخاري ومسلم)، وثبت عنه - عليه الصلاة والسلام -:
«إنما الرضاع مثل النسب (رواه الربيع)، إلى غير ذلك، فكان في هذا تخصيص للعموم.
كذلك نحن نجد في القرآن الكريم قوله: ﴿قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَى مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِيَزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ الله به﴾ [الأنعام: 145]، فالله - تبارك وتعالى - ذكر هنا أربعة أصناف من المحرمات، وأمر
21