لقاءات في الفكر والدعوة أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

لقاءات في الفكر والدعوة

الجزء ١ · صفحة ٢٢٧

التقريب بين المذاهب الإسلامية

وهذا يعني أن الشُّقة أَدَّتْ إلى أن يوسوس الشيطان للناس ويزين لهم سوء الظن ويقبح صور الآخرين في أنظارهم، ولكن مع هذا القرب الآن بحيث أصبحت الدنيا كأنما زويت من أطرافها، وفي نفس الوقت أصبحت وسائل الاتصال مُقرّبة للبعيد، فالكتاب أصبح في متناول اليد، يمكن لأي أحد أن يقرأ كتاب أي طائفة من هذه الطوائف ليطلع على حقيقة أمرها، فالمطابع سهلت وصول الكتاب إلى يد أي أحد، وليس ذلك فحسب، بل هناك وسائل أخرى، فشبكة المعلومات العالمية تقرّب البعيد بحيث إن الإنسان يمكنه من خلالها أن يطلع على ما عند الآخرين مما لم يكن يتصوره من قبل، كذلك أصبحت المجلدات الكثيرة تختزل اختزالاً في أقراص صغيرة، ويمكن من خلالها الاطلاع، بحيث يمكن أن تختزل مكتبات بأسرها في قرص أو قرصين، أو في أقراص يسيرة، وأن يطلع الناس من خلالها على الكثير الكثير ما لم يكونوا يتصورونه من قبل، فلا عذر اليوم مع هذا كله عن محاولة اطلاع كل فئة على ما عند الفئات الأخرى، وعن إحسان الظن بقدر المستطاع، وأن لا يُقطع عذر أحد ما دام متشبثاً بدليل شرعي، ولو كان هو في نظر الفريق الآخر دليلاً ضعيفاً، ولكن بشرط ألا يكون الدليل يصطدم مع دليل قطعي، فإن كان كذلك عذر صاحبه ولا يُعنّف من أخذ

نعم على الإنسان في خاصة نفسه، أن يعمل بالدليل الأقوى، وأن لا يأخذ بالدليل الأضعف، ولكن ربما كان في نظر الآخر هذا الدليل الذي هو أضعف في نظره هو الدليل الأقوى.

أما بالنسبة إلى القضايا المنصوص عليها، فلا ريب أن كل أحد يتعمد أن يصادم نصاً قطعياً ويعدل عنه إلا بتأويل، غير أنه قد يكون التأويل لا يسوغ شرعاً، ولكن مع وجود التأويل - ولو كان أوهى من نسج العنكبوت - لا يؤدي إلى إخراج من تمسك به من ولو صادم نصاً قطعياً.

الملة

نعم الذي ينكر ما عُلم من الدين بالضرورة مما كان نصاً قطعياً لا يحتمل التأويل بحال من الأحوال، فإنه لا يتسامح معه، وإن رده بغير تأويل يكون راداً لنص قطعي، فيكون خارجاً من ملة الإسلام، ولكننا ننزه المسلمين عن اتِّباع هذه الطريقة، ونرى أنه لا بد للمسلم أن يلتزم بالدليل ما دام آمن بالقرآن الكريم، نعم ربما تصوّر بعض الناس شيئاً من القرآن أنه منسوخ، أو خُصص عمومه أو قيّد إطلاقه أو نحو ذلك، وقضايا تخصيص العمومات وإطلاق المقيَّدات مما يسوغ النظر فيها، فليس لأحد أن يقطع عذر غيره بسبب أنه ركن إلى دليل

227

٢٢٧ / ٤٩٤