لقاءات في الفكر والدعوة
الجزء ١ · صفحة ٢٣آداب السؤال والاختلاف
لابتداء الغاية، والذين قالوا لا بد من أن يكون تيمماً بتراب يلتصق بالكفين عند ضربهما عليه قالوا بأن (من) هنا للتبعيض. وكذلك الواو في قوله - تعالى -: {وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ) [الأنعام: 121]، اختلفوا فيها هل هي للحال أو هي للعطف؟ وبناءً على هذا الاختلاف وقع الاختلاف في حكم أكل ما لم يذكر اسم الله تعالى عليه، والله تعالى أعلم.
المحاور: هناك حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «أعظم الناس جرماً من سأل عن شيء ليحرم» (رواه البخاري ومسلم) نريد إطلالة مختصرة حول ماهية السؤال، ومعنى هذا الحديث.
هذا يرجع إلى ما ذكرناه من التنطع المذموم شرعاً، وذلك أن يأخذ الإنسان في السؤال عن شيء لم يأت به حكم من الله - تبارك وتعالى - سواء كان نصاً في القرآن أو على لسان رسوله، يأخذ في السؤال عنه وهو لم يحرم، فيترتب على هذا السؤال أن يرد شرع بتحريمه، فإن هذا من التنطع، فلذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم إشفاقا على أُمته يأمرهم أن يتركوه ما تركهم (1)؛ بحيث لا يسألون عن أشياء لم يرد فيها حكم بتحريمها، فالأصل فيما خلقه الله - تبارك وتعالى وجعل فيه منافع للعباد؛ أن تلك المنافع مباحة لهم، إلا إن دلَّ الدليل الشرعي على رفع هذه الإباحة بتحريم، ثم من ناحية أخرى أن الأمور التي حُرمت في الإسلام هي غالباً أمور محدودة، أمور مقيدة معدودة؛ بخلاف الحل، فإن الحل هو الأصل، ولذلك كان الحل لا ينضبط ولا يتقيد بقيد، والحرمة هي التي تتقيد وتنضبط.
-
فالله - تبارك وتعالى - عندما ذكر المطعومات استثنى أربعة أنواع من حكم الحل في المطعومات، ثم جاءت نصوص أخرى في القرآن الكريم كما ذكرنا تدلُّ على تحريم بعضها، وجاءت أيضاً نصوص قليلة من السُّنَّة النبوية على صاحبها - أفضل الصلاة والسلام - تدل على تحريم، بعضها وإلا فالأصل أن كل مطعوم نافع، هو حلال ولا يحرم، ثم كذلك نأتي إلى المنكوحات من النساء، فالله - تبارك وتعالى - بين ما يحرم نكاحه من النساء، ثم قال: (وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: 24]، إلا ما جاءت السُّنَّة مبينة أنه
(1) من ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «دَعُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِسْؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِم عَلَى أَنْبِيائِهِمْ فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرِ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (رواه البخاري).
23