لقاءات في الفكر والدعوة
الجزء ١ · صفحة ٢٣١التقريب بين المذاهب الإسلامية
فلذلك كان من الضرورة بمكان أن يتفطن المسلمون إلى أن الوحدة المطلوبة بين الأمة لا يلزم منها أن ينصهر المسلمون كلهم في مذهب واحد، وإنما لكل أحد استقلاليته في الرأي والنظر، واعتماده على ما يراه أرجح أو ما يراه أصوب، فإن ذلك موكول إلى كل أحد، وهو مما يُتعبد به بينه وبين ربه الله سواء كان من المجتهدين، أو كان من المقلدين، فإنه يختار من يرى تقليده أسلم له من تقليد غيره.
هذا، ولكن مع ذلك كله لا ينبغي أن يؤدي الأمر إلى التنابز بالألقاب، وإلى التراشق بالتهم، وإلى محاولة كل فئة أن تحط من قدر الفئة الأخرى، وأن تنال من عرضها ومن شرفها ومن إسلامها وإيمانها، فإن هذا هو الذي يؤدي إلى التنازع والفرقة والاختلاف، وكما قلت إن الصحابة اختلفوا في مسائل فقهية كثيرة، ولربما أدى الأمر أيضاً إلى الاختلاف بينهم حتى في بعض جزئيات مسائل النظر والاعتقاد، ولكن لم يؤد ذلك إلى أن يتراشقوا بالتهم، وأن يتقاطعوا، وأن يعلن كل فريق منهم الحرب على الفريق الآخر، وإنما كانوا متسالمين وكانوا متحدين في مواجهة العدو المشترك. والأُمة الإسلامية اليوم تمر بمنعطف خطير، منعطف يستوجب أن تتحد فيه جميع فئاتها من أجل مواجهة تحدياته، فهي إما أن تأخذ بأسباب القوة وأسباب العصمة، وإما أن تظل تتسكع في هذه التخبطات حتى يؤدي الأمر إلى مزيد إضعافها، وإلى مزيد النكاية بها من قبل أعدائها. الأمة الإسلامية لا ينتشلها من هذا الضياع الذي وقعت فيه إلا أن يضع بعضها يده في يد البعض الآخر، ويتفق الجميع على النهوض بجميع الأمة والسير بها قدماً، والتقدم في شتى المجالات، سواء المجالات العلمية والصناعية أو المجالات الدعوية والأدبية، لتكون هذه الأمة أُمة عزيزة - بمشيئة الله سبحانه ..
إن
المحاور: ما رأيكم في الانتصارات الفكرية التي تحققها وحققتها الأمة المسلمة في سائر مذاهبها؟ فلم تكن المذهبية عائقاً في وجهها، فالملاحظ انتشار الإسلام بما يحمل من منطلقات الكتاب والسُّنَّة في سائر المذاهب في بلاد غير الإسلام مع ما يلاقي من التحجيم أو التشويه ولكن أين المذهبية هنا لا نجد لها أي أثر في هذا الانتشار؟
231