لقاءات في الفكر والدعوة أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

لقاءات في الفكر والدعوة

الجزء ١ · صفحة ٢٣٨

لقاعات

في الفكر و الدعوة

وقد أتم سلام الله عليهم نعمته، وأكمل لهم الدين، بأن بعث فيهم عبده ورسوله محمداً، الذي جاء إلى هذا الوجودِ والناس متفرقة مسالكهم، متنوعة نزعاتهم ونزغاتهم، متباينة أهواؤهم ورغباتهم، كل يدعي أنه على الصواب فجمع النبي صلى الله عليه وسلم بأمر الله هذا الشتات، وألّف الله تعالى به بين هذه القلوب المتنافرة، وجمع به هذه الفئات المتدابرة، فإذا بالشقاق، وفاق، وبالنزاع وئام وبالاختلاف ائتلاف، جمع الله - تبارك وتعالى - به بين الذين ورثوا العداوات، وورّثوها أولادهم، فظلوا يتطاحنون في حروب دامية أكلت الأخضر واليابس، وأتت على الطارف والتليد وأهلكت الحرث والنسل، فإذا بهؤلاء يتفقون جميعاً ويجتمعون في ظل العبودية لله تعالى عندما جاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بدعوة الحق من عند الله.

والله سبحانه يذكّر هؤلاء العباد هذه النعمة العظيمة التي أسبغها عليهم، بأن أخرجهم من الظلمات إلى النور، ومن الشقاق إلى الوفاق، ومن الاختلاف إلى الائتلاف، ومن التدابر إلى الاجتماع والتعاون فيما بينهم، يقول - سبحانه -: {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءُ فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ وَايَتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) [آل عمران: 103].

وقد قبض الله تعالى عبده ورسوله محمداً بعدما كانت هذه النعمة سابغة على هذه الأمة شاملة لجميع أفرادها، إذ تألفت قلوبهم برباط الإيمان، الذي يوحد ولا يشتت، ويجمع ولا يفرق، ثم بعد ذلك ولي الأمر خلفاؤه الراشدون - رضي الله تعالى عنهم -، وهم الذين ساروا على نهجه، واتبعوا هديه إلى أن لقوا الله - تبارك وتعالى -

11

ثم تحوّل الأمر إلى سياسة غاشمة، كانت تأتي توجهاتها حسب أهواء الأفراد الذين تربعوا على سدة الحكم، فكان الأمر بخلاف ما كان عليه من قبل، إذ أخذت العرى تُنقَضُ عروة

ود. و

عروة، ووقع الخلاف، وكل من كان في ركب تلك السياسة كان مرضيّاً عنه، وكان معدوداً من الصالحين، ومعدوداً من الموافقين، ومن كان بخلاف ذلك كان على العكس من ذلك.

ونجد البون الشاسع، والفرقة البعيدة والشقة المتنائية، ما بين الوضع في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وعهد خلفائه الراشدين، والوضع في تلكم السياسة التي قامت من بعد، ففي عهد الخلفاء

238

٢٣٨ / ٤٩٤