لقاءات في الفكر والدعوة
الجزء ١ · صفحة ٢٤٠240
لقاعات
في الفكر و الدعوة
ومع
ذلك كله كم وجدنا في دواوين الكتب والمقالات من يزعم بأن هذا الجبار الذي انتزع الأمر بالقوة والجبروت، هو حاكم شرعي بأمر الله فهو ظله في الأرض وحجته بين الناس، وأصبحت طاعته واجبة على الرعية.
وقد كان العلماء الرسميون هم المروجين لهذه السياسة الغاشمة المزينين للطغاة الإغراق في الظلم والإفراط في الاستبداد بل وصل بهم الأمر إلى أن يقفوا في سبيل تراجعهم عن الطغيان ويدفعوا بهم دفعاً إلى ارتكاب المظالم ويفتوهم بأنهم غير مسؤولين عن شيء من ذلك أمام الله تعالى، وحسبك من ذلك ما ذكره الذهبي في السير وابن كثير في «البداية والنهاية عن ابن وهب حدثنا عبد الرحمن بن يزيد قال: «لما توفي عمر بن عبد العزيز قال يزيد: سيروا بسيرة عمر بن عبد العزيز فأتى بأربعين شيخاً شهدوا أن الخلفاء ما عليهم حساب ولا عذاب (1).
وقال ابن العماد في «شذرات الذهب»: «قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم لما استخلف - أي يزيد بن عبد الملك - قال: سيروا سيرة عمر بن عبد العزيز فأتوه بأربعين شيخاً شهدوا له أن الخلفاء لا حساب عليهم ولا عذاب فأقبل على الظلم وإتلاف المال والشرب والانهماك على سماع الغناء والخلوة بالقيان
()
فانظر كيف استباح علماء السلطة الظلم والفجور، وأباحوهما للمتسلطين في الأرض، بل زينوهما لهم وشجعوهم عليهما متناسين عهد الله إليهم أن يقولوا الحق وأن يبينوا ما أودعه في كتابه من الأمر بالعدل والإنصاف والإحسان ونهيه عن الفحشاء والمنكر والبغي، وقد انتزعوا من نفوسهم خوف الله تعالى إذ صوروا لهم أن الله غير سائلهم عن شيء، كأنما قوارع النذر في القرآن الكريم لم تقرع مسامعهم بشيء من وعيد الله تعالى للذين ظلموا ومن ركن إليهم، ناهيك أن الله سبحانه جعل نفس الركون إلى الذين ظلموا سبباً لاستحقاق عذاب النار حيث قال: {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم
(1) سير أعلام النبلاء، ج 5، ص 151، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1413 هـ، الطبعة: التاسعة. وانظر البداية والنهاية، ج 9، ص 232، مكتبة المعارف، بيروت. وينظر أيضاً: العبر في خبر من غبر للذهبي، ج 1،
ص 129، ومرآة الجنان، ج 1، ص 224.
(2) شذرات الذهب، ج 1، ص 129.