لقاءات في الفكر والدعوة
الجزء ١ · صفحة ٢٤٧الوحدة الإسلامية
الوحدة عندها استجابة لمصالحها، هي استجابة لداعي الله - تبارك وتعالى ـ، فإن الله الله فرض عليها الوحدة كما فرض عليها التوحيد، يقول الله وعل: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَانِهِ، وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا [آل عمران: 102، 103]، ويحذر الله عباده من التفرق والاختلاف عندما يقول: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَتُ﴾ [آل عمران (105]، والله سبحانه يبيّن أن الفرقة تؤدي إلى الضعف والتشتت، وتؤدي إلى انهيار القوة، حيث يقول: ﴿وَلَا تَنَزَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: 46].
وهكذا نجد دعوة القرآن دعوةً تدوّي في هذا الوجود، حاضة هذه الأمة على الاتحاد والتآلف، على أن الله تعالى يؤكد لنا في كتابه أن هذه الأُمة - أُمةَ التوحيد - هي أمة واحدة حيث يقول: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 92]، ويقول تعالى: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَتَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: 52].
فهذه الأمة إنما تجتمع وتتألف في ظلال العبودية لله، وفي ظلال تقوى الله، لأن عبادة الله تعالى هي جامعة غير مفرقة، فكل عبادة من العبادات المشروعة في الإسلام تَنْتَزِعُ من صدور العباد السخائم والأحقاد، وتفيض فيها شعوراً بواجب الوحدة الإيمانية الرابطة ما بين عباد الله تعالى المؤمنين، وكل عبادة من العبادات تحطّم الحواجز المصطنعة ما بين العابدين، وتقضي على أسباب الفرقة والاختلاف بينهم ليترفعوا فوق أهوائهم ونزعاتهم ونزغاتهم، متوجهين إلى الله تعالى المعبود الواحد الذي فرض بينهم هذه العبادة وفرض عليهم عبوديتهم له.
والإسلام هو داع إلى هذه الوحدة، كما أنّ دواعي الاتحاد بين الأُمة كثيرة، فالرب المعبود واحد: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهُ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ) [البقرة: 163]، فما دام المعبود هو الله تعالى فهذا من دواعي الائتلاف، وبجانب هذا كيفية العبادة أيضاً واحدة؛ لأن الصلوات التي تؤديها الأُمة قد اتفقت عليها جميع طوائفها، فما من قائل بأن المفروض أربع صلوات أو صلاتان أو ثلاث أو ست أو عشر، وإنما الكل يقطع بأن الفروض التي تتكرر في اليوم والليلة وهي خمسة، ليست أكثر من ذلك ولا أقل. كذلك هذه الأمة متفقة على وجوب صيام شهر رمضان، وعلى وجوب تزكية المال، وعلى وجوب حج بيت الله
الحرام، وهو
247