لقاءات في الفكر والدعوة
الجزء ١ · صفحة ٢٥آداب السؤال والاختلاف
المتن، وأما ما عدا ذلك فإن المجال واسع للاختلاف، إذ الأدلة تتعارض أحياناً، فبعضهم يأخذ بهذا الدليل لأنه يترجح عنده على الدليل الذي يخالفه، وبعضهم يأخذ بذلك الدليل لأنه يترجح عنده على الدليل الذي يخالفه وهكذا، فلذلك تتعدد الآراء في النظر إلى مخصصات العمومات وفي النظر إلى تقييد المطلقات وفي النظر إلى كيفية استنباط الأحكام الشرعية من الأدلة التفصيلية نظراً إلى أن هذه الأدلة أدلة غير نصيّة، فلذلك يقع الاختلاف بين العلماء في المسائل التي تدل عليها.
والمسائل التي هي معدودة من مسائل الرأي، وهي التي يستدلُّ لها بأدلة ظنية، لا يقطع فيها عذر المخالف، ولكن مع هذا كله فإنه من الواجب على الإنسان إن وجد عالماً مجتهداً قادراً على الترجيح أن يرجع إليه، ذلك لأن العالم شأنه كشأن الطبيب، فالطبيب قد يعطي لهذا جرعة، ويعطي لآخر جرعة أخرى مع أن علتهما واحدة إلا أنه ينظر في كثير من الأحوال في الطبائع، فطبائع الناس تختلف هذا طبعه حار يابس، وذلك طبعه حار رطب، وآخر طبعه بارد رطب، وغيره طبعه بارد يابس، فيكون علاج هذا يضر ذلك، وبجانب ذلك أيضاً ينظر الطبيب أحياناً إلى الفصول، وينظر إلى المناخات، وذلك أن المناخ الاستوائي غير المناخ البارد، وهكذا، فلذلك يحتاج الطبيب إلى النظر في طبائع الناس، وفي طبائع المناخات، وفي طبائع الفصول والأزمنة، فيكون العلاج بمقدار ذلك، وهكذا شأن العالم أيضاً، مثال ذلك أن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - جاء إليه رجل، وسأله عن تقبيل الرجل لزوجته وهو صائم، فأباح له ذلك، وجاءه رجل آخر وسأله نفس السؤال فمنعه من ذلك، وقد لاحظوا أن الرجل الذي أباح له أن يقبل امرأته وهو صائم كان شيخاً؛ أي رجلاً متقدماً في السن، ومن المعلوم أن الشيخوخة مظنّة ضعف الشهوة، والآخر الذي منعه من ذلك كان شاباً، والشاب إنما هو مظنة فوران الشهوة، فلذلك منعه لئلا يجره التقبيل إلى ما هو أعظم منه، وهكذا.
ثم مع ذلك قد تختلف الظروف، وتختلف الأحوال، فنجد الدليل الشرعي يشرع لمصلحة يعلمها الله - تبارك وتعالى ـ، ولا يستطيع أن يطّلع على تلك المصلحة إلا الربانيون من العلماء، ولذلك كان عمر - رضي الله تعالى عنه ـ ينظر في بعض الأحوال، فيحكم بأحكام قد يتبادر أنها مخالفة للتي حُكم بها في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وفي عهد أبي بكر له، مثال ذلك أنه منع المؤلفة قلوبهم ما كانوا يعطونه في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وفي عهد أبي بكر
25