لقاءات في الفكر والدعوة أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

لقاءات في الفكر والدعوة

الجزء ١ · صفحة ٢٥٣

الوحدة الإسلامية

الأموال لنفسه ولا أثر بها أصحابه، وإنما قال: «هذه أموال جُبيت من أهل صنعاء بغير حق، فيجب أن تردّ إليهم جميعاً»، ولم يفرق بين صاحب مذهب وآخر في ذلك، بل حَرَمَ أصحابه الذين جاءوا معه كما حرم نفسه منها ومن الانتفاع بها، وهذا مما سجّله كُتَّابُ التاريخ على اختلاف اتجاهاتهم المذهبية، وفي هذا يقول الإمام السالمي رحم الله:

وطالب الحق بصنعاحَكَما

لم يأخذن عند مضيق يومه تعففاًمنهم ومن كمثلهم كانوا يموتون على ما أبصروا

بجعلها في أهلها واحتشما شيئاً لنفسه ولا لقومه

أكرم بهم من عصبة أكرم بهم

من الهدى ما بدلوا وغيروا

نعم؛ هكذا كانوا يموتون على الهدى الذي أبصروه من غير أن يرضوا لأنفسهم بأن تتدخل العواطف الرعناء في تصرفاتهم وفي أعمالهم، بل كانوا يعزلون العواطف جانباً، وإنما نُصب أعينهم كتاب الله - تبارك وتعالى ـ، وطالب الحق هو الذي بعث بقائده أبي حمزة إلى أرض الحرمين، ولما دخل أرض مكة دخلها مُحرماً من غير أن يُشهر سلاحاً، ومن غير أن يفعل شيئاً يؤدي إلى إزعاج الحجيج.

يجعلون

وبعض الناس أرادوا أن يؤلبوا عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك عليه وقالوا: «احمل عليهم الحجاج ولن يكونوا إلا أكلة رأس، وكم ترى هنا من فرق كبير بين تصرّف وتصرف، بين تصرف أبي حمزة الشاري، وبين تصرف هؤلاء الذين يريدون أن ينبري حجاج بيت الله الحرام من أجل سفك دمائهم، فأرادوا أن يحمل عليهم الحُجَّاج ليكون ذلك أسرع في إبادتهم، ولم يبالوا بحرمات البيت الحرام والشهر الحرام، وكونهم في حالة إحرام متلبسين بعبادة مقدسة

وأراد عبد الواحد أن ينفذ هذه الخطة فيهم، فأرسل رسله إلى أبي حمزة لإعلان ذلك، ولكن أبا حمزة أصر على رفض خوضه الحرب، وقال: نحن لم نَجِنُّ لسفك دم أو إشهار سلاح، ونحن أضنُّ بحجنا.

فأبو حمزة وجنده كانوا مراعين لحرمات البيت الحرام حراصاً على عدم تلويث عراصه الطاهرة بسفك الدماء، بينما الطرف الآخر يحرص على إراقة دمائهم، وهذا الموقف

253

٢٥٣ / ٤٩٤