لقاءات في الفكر والدعوة
الجزء ١ · صفحة ٢٥٤254
لقاعات
في الفكر و الدعوة
النبيل الذي وقفه أبو حمزة كان له تأثير بالغ في نفس عامل بني أُمية عبد الواحد بن سليمان أدى به إلى أن ينسحب من مكة ويخليها لهم، وقد علق على موقفه هذا المعلقون، ومهما يكن من هدف له في صنيعه هذا فإنه أدى ذلك إلى سلامة الناس من أن تُسفك دماء محرمة في حَرَمِ الله تعالى الآمن. وأقام أبو حمزة بمكة وخطب خُطَباً اشتهرت بين الناس أوضح فيها معالم دعوته وما ينقمه على خصومه بمكة، وأقام موازين القسط هنالك، وحرص أن يرد الناس إلى هدي القرآن، وهدي الرسول - عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة السلام ..
ثم خرج إلى المدينة المنورة بأصحابه، ولقيتهم بقديد جموع أهل المدينة، الذي أُججت فيهم الأحقاد وكانوا قد ألفوا في أيام بني أُمية نمطاً من أنماط الحياة غير ما كان عليه آباؤهم من المهاجرين والأنصار، إذ ركنوا إلى اللهو والمجون.
وقد أدركوا أن أبا حمزة ما كان ليقرهم على ما ألفوه من اللهو والمجون والانحلال، لأنه جاء ليعيد موازين القسط إلى هذه الأرض بعد افتقادها في ظل الدكتاتورية الأموية، وليعيد الناس إلى ما كانوا عليه في عهد الرسول الله وفي عهد الخلافة الراشدة، فشق عليهم ما كان يدعوهم إليه لذلك آثروا مناجزته، بينما حرص أبو حمزة على حوارهم ولكن الحوار لم يؤد إلى تفاهم، بل ظلّ أهل المدينة - مع ما وضح لهم من سواء المحجة ومن قوة الحجة عند أبي حمزة - مصرّين على موقفهم النابذ له، غير أن أبا حمزة قال لأصحابه: «إياكم أن تبدؤوهم بالقتال»، حرصاً منه على جمع الشمل وعلى حسن التفاهم، ولكن أهل المدينة اندفعوا إلى الفتنة فرشقوا أصحاب أبي حمزة بالسهام، فأصيب أحد أصحابه فقال: «دونكم الآن فقد حلّ قتالهم»، فكانت وقعة قديد الشهيرة التي كانت الكرة فيها لأبي حمزة وأصحابه.
ثم دخل أبو حمزة المدينة، وجلجل في جنباتها صوته الهادر من منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم داعياً إلى الحق ومحذراً من اتباع الهوى، وكاشفاً نقاط الاختلاف والافتراق بين ما كان عليه هدي الرسول صلى الله عليه وسلم وهدي الخلفاء الراشدين، وما آل إليه الأمر من تبديل وتضييع لتعاليم الإسلام وانتهاك لحرمات الدين عندما آل الأمر إلى الذين يؤثرون هوى أنفسهم فينغمسون في شهواتها ويعادون كل من كان على خلاف هواهم، وجاء إلى منبر