لقاءات في الفكر والدعوة أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

لقاءات في الفكر والدعوة

الجزء ١ · صفحة ٢٥٥

الوحدة الإسلامية

رسول الله الله فبكى طويلاً، ووضع وجهه حيثما كان الرسول الله يضع قدميه وقال: آه، كم

قدم عاصية الله منتهكة لحرماته حاكمة بغير ما أنزل، وطئت موضع قدمي النبي بأبي هو وأمي. وبعد أن خضب لحيته بالدموع خطب بعدما رقى درجة واحدة في المنبر تواضعاً لمقام النبوة، واستعرض في خطبته سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وسيرة الخلفاء الراشدين وما حصل من بعدهم من تبديل لثوابت الدين وطمس لمعالم الحق، ثم دافع عن أصحابه

قائلاً:

«يا أهل المدينة، تعيرونني بأصحابي تزعمون أنهم، شباب، وهل كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا شباباً؟ نعم شباب والله مكتهلون في شبابهم، غضيضة عن الحرام أعينهم، بطيئة عن الشر أقدامهم، أنضاء عبادة وأطلاح سهر، موصول كلالهم بكلالهم، وقيام ليلهم بصيام نهارهم، قد أكلت الأرضُ جباههم وأيديهم ورُكَبَهم من طول السجود، مصفر ألوانهم، ناحلة أجسامهم من كثرة القيام وطول الصيام، لقد نظر الله إليهم في جوف الليل منحنية أصلابهم على أجزاء القرآن، إذا مرّ أحدهم بآية فيها ذكر الجنة بكى شوقاً إليها، وإذا مرّ بآية فيها ذكر النار شهق شهقة كأن زفير جهنم في أذنيه، مستقلون ذلك في جنب الله، مستنجزون لوعد الله، حتى إذا رأوا سهام العدو قد فوقت، ورماحه قد أشرعت، وسيوفه قد انتضيت، وأرعدت الكتيبة بصواعق الموت وأبرقت؛ استهانوا وعيد الكتيبة لوعد الله، فلقوا شبا الأسنة وشائك السهام وحد السيوف بوجوههم وصدورهم ونحورهم، ومضى الشاب هنالك قُدماً حتى اختلفت رجلاه على عنق فرسه، فخر صريعاً في الثرى، ورملت محاسن وجهه بالدماء، وأسرعت إليه سباع الأرض، وانحط إليه طير السماء، فكم من عين في منقار طائر طالما بكى صاحبها في جوف الليل من خشية الله، وكم من يد أُبِينَتُ عن ساعدها طالما اعتمد عليها صاحبها في سجوده لله وكم من خد عتيق قد فلق بعمد الحديد، فرحم الله تلك الأبدان، وأدخل أرواحهم الجنان».

و

هذه هي سيرتهم التي ساروها، ومن الذي يشكّ في أن هديهم هذا مستمد من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهدي خلفائه الراشدين، ولكن هل سلموا من ألسنة الناس التي تقذف لا تخط أحقاد صدورهم، وأقلامهم التي على صفحاتها إلا بمداد تلك الأحقاد، فكم تجد في وقتنا هذا من الذين في قلوبهم مرض من يقول بأن هؤلاء لم تُغْنِ عنهم عبادتهم من الله شيئاً، وكأني بهؤلاء يرون أن الله تعالى وكل إليهم قبول عبادة من أرادوا

بحمم من

255

٢٥٥ / ٤٩٤