لقاءات في الفكر والدعوة
الجزء ١ · صفحة ٢٥٦لقاعات
في الفكر و الدعوة
ورفض عبادة من شاؤوا، كأنهم تبوأوا مقام البابوية في الإسلام فجعلوا لأنفسهم الحق في إصدار صكوك الغفران وقرارات الحرمان! ومما يؤسف له أن يصدر هذا التصريح ممن يعد ركيزة من ركائز الدعوة الإسلامية في هذا العصر.
ونحن ما أردنا نقاش هذه القضايا وإنما ذكرناها عرضاً لنقول إن أبا حمزة الشاري كان من إعلانه في المدينة المنورة قولته المشهورة: «الناس منا ونحن منهم إلا ثلاثة: مشركاً بالله عابد وثن، أو كافراً من أهل الكتاب، أو إماماً جائراً».
وهي
كلمات نابعة من صميم الإيمان قائمة على أصول ثابتة من شرع الله تعالى وهدي رسوله، ولكنها كانت شجى في حلاقيم أهل الباطل وقذى في أبصارهم فألبوا على قائلها ومن استشهد بها، وأجلبوا عليهما بخيلهم ورجلهم زاعمين أن ذكره الإمام الجائر في مقام البراءة والانفصال دليل على المغالاة والانحراف في الفكر، لأن الإمام الجائر - في موازنيهم - كالإمام العادل في وجوب موالاتهما ومحبتهما، وقد تصامم هؤلاء عن نداء القرآن وهدي الرسول - عليه أفضل الصلاة والسلام ـ، فإن الله تعالى يقول: وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ} [هود: 113]، فإذا كان مجرد الركون إلى أي سبباً لمس النار فما بالك بمن يود الظالم ويؤيده على ظلمه ويدفع في صدر من قاوم ظلمه أو عاداه على ظلمه.
ظالم
وفي قصة نوح مع ابنه الذي عصى أمره عبرة لمن كان له قلب، إذ لم يشفع له أن أباه لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم إلى الله، وما لقيه في سبيل ذلك من العنت والعناء، فإنه بمجرد رفضه أن يركب السفينة مع أبيه، وإيوائه إلى الجبل كانت المفاصلة واجبة بينه وبين أبيه، وعندما قال نوح: ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود: 45]، جاء الجواب القاطع من قبل الله: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود: 46]، وهل معنى ذلك أنك عليك أن تُوَالِيه وتحبه؟ لا، وإنما ذلك يعني البراءة منه ولم يعلل ذلك بأنه كفر بدعوة أبيه وإنما كان التعليل واضحاً في قوله: ﴿إِنَّهُ عَمَل غَيْرُ صَلِح﴾ [هود: 46]، أي العمل الذي عمله كان
غير صالح، فاستحق لحكم الله تعالى أن تُقطع صلته بأبيه، وأن لا يعتبر من أهله. وكم تجد في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ينص على هذا الحكم ودونك طائفة منها: روى الربيع في مسنده الصحيح عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس أن
256