لقاءات في الفكر والدعوة أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

لقاءات في الفكر والدعوة

الجزء ١ · صفحة ٢٦٠

260

لقاعات

في الفكر و الدعوة

الله

وإنما كانت أول انتكاسة في الفكر عند المسلمين، وغبش في تصور الدين، وتبديل لحكم الذي أنزله، إقرار ظلم الظلمة ومساندتهم عليه، والتنديد والتشهير بمن وقف في وجوههم للقبض على أيديهم حتى لا يبطشوا بها في عباد الله، ويحولوا بقوتها بينهم وبين ما لهم من حقوق فيما استولوا عليه من أموالهم، فجعلوها بينهم دولاً يستأثرون بها دون من يستحقها بشرع الله من اليتامى والأرامل والمساكين، بل أخذوا يستصنعون بها المتملقين المنافقين الذين يروجون لباطلهم ويقاومون بهم أهل الحق الذين لا ينشدون إلا الحق، لا يريدون علوا في الأرض ولا فساداً.

فإنه ـ مع

حتى غدت

الأسف الشديد - روج لهذا الفكر المنحط السافل في جماهير الأُمة، تصفق لظلم الظالم وبطش الجبَّار، وتبرر ذلك حتى تجعل طاعته من طاعة الله سبحانه، وتجعلها حلقة لا تنفك في سلسلة الطاعة الواجبة لله ورسوله، بل راج بين هذه الجماهير - التي رزئت في فكرها وعقيدتها بهذه التصور الباطل - أن نفس إضمار الكراهية والبغضاء للظالم منكر يجب تغييره، وباطل بد من استئصاله؛ لتظل القلوب والعقول في أسر الظلم والظلمة، لا تفكر قط في الخلاص منه أو منهم، فمهما ارتكب الظلمة من بطش أو فساد كان على الناس أن يكونوا لهم أداة طبعة تتحرك وفق هواهم بمجرد ضغطهم على أزرار تحريكها.

وبما أن أصحابنا - أهل الحق والاستقامة - تشربوا روح القرآن فأشرقت عليهم أنواره، واهتدوا بهدي النبي عليه الصلاة والسلام، كانوا أبعد ما يكونون عن إقرار هذا التصور والموافقة عليه، لذلك كانوا منابذين لأهل الظلم، لا مكان لموالاتهم في اعتقادهم، فكانوا عرضة لحقد الحاقدين الذين لا يريدون بالظلم بديلا، فصبوا عليهم قوارع الإنكار، وسفهوا أحلامهم، ونسبوهم إلى الزيغ؛ لأنهم اتبعوا نهج القرآن واهتدوا بهدي النبي عليه الصلاة والسلام في عدم إقرار الظلم والميل إلى الظلمة والرضى بفعلهم، وكانت جماهير الأمة. بسبب الانحراف الفكري والبعد عن التصور الصحيح لمنهج الإسلام وعدم تدبرها القرآن واتباعها هدي الرسول صلى الله عليه وسلم وهدي صحابته - ضاعت عندها الموازين، وفقدت المعايير التي تميز بين الحق والباطل، فوقعت في أمر مريج من الفتنة، إذ أخذت تنصر ظلم على العدل، والباطل على الحق، غير أن الفطرة السليمة هدت طائفة من الناس بعدما نشأت وترعرعت على ما نشأت عليه الجماهير، فأنقذتها فطرتها من هذا الوحل

الظلـ

٢٦٠ / ٤٩٤