لقاءات في الفكر والدعوة
الجزء ١ · صفحة ٢٦٣الوحدة الإسلامية
للظالمين والفاسقين، وأظنّكم إذا تأمَّلتم قليلاً ترون هذا الدواء السهل المقدور لكل إنسان منكم، يكفي لإنقاذكم مما تشكون. والقيام بهذا الواجب متعيّن على كلِّ فرد منكم بنفسه، ولو أهمله كافة المسلمين. ولو أنَّ أجدادكم الأولين قاموا به لما وصلتم إلى ما أنتم عليه من الهوان. فهذا دينكم والدين ما يدين به الفرد لا ما يدين به الجمع، والدين يقين وعمل، لا علمٌ وحفظٌ في الأذهان. أليس من قواعد دينكم فرض الكفاية وهو أن يعمل المسلم ما عليه غير منتظر غيره؟!».
«فأناشدكم الله يا مسلمين: أن لا يغرَّكم دين لا تعملون به وإن كان خير دين، ولا تغرنّكم أنفسكم بأنَّكم أُمّة خير أو خير أُمّة، وأنتم المتواكلون المقتصرون على شعار: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ونِعْمَ الشَّعار شعار المؤمنين، ولكن؛ أين هم؟ إني لا أرى أمامي أُمَّةً تعرف حقاً معنى لا إله إلا الله، بل أرى أُمَّةً خبلتها عبادة
الظالمين». اهـ
(1)
وهو كلام يدلّ على إحساس بالمرارة والألم من الواقع الذي غرق فيه الناس وإن كان لا يخلو من مبالغة خارجة عن حدود الاعتدال، حيث منع حتى السلام على الظلمة مع أن السلام حق مشروع تشترك فيه الأُمة بأسرها سواء منها البر أو الفاجر، وما كان هذا الإفراط إلا ردة فعل للتفريط الذي وقعت فيه الأمة، وقد أرسل كلماته هذه صيحات مدوية في أرجاء العالم الإسلامي ولكنها ما كانت أكثر من صيحة في وادٍ، حيث لا سامع ولا مجيب، وذلك لما تراكم على عقول الناس عبر القرون الخالية من التصورات الباطلة التي طمستها فأفسدتها، فلم تعد صالحة لتقبل الفكر الصحيح النير.
على أن العدالة والإنصاف والتعفف كانت تتمثل في سلوك السلف الصالح، الذين كانوا على هذا النهج الصحيح الذي درج عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه الراشدون، وسار عليه طالب الحق وأبو حمزة الشاري وسائر أئمة أهل الاستقامة، فقد كانوا حراصاً على أن لا يخرجوا عنه في تعاملهم مع القريب والبعيد والبغيض والحبيب، ومهما لقوا من سائر إخوانهم من المسلمين من اضطهاد وظلم ما كانوا يقابلون الإساءة إلا بالإحسان.
(1) المرجع السابق، ص 112، 114.
263