لقاءات في الفكر والدعوة
الجزء ١ · صفحة ٢٧٦لقاعات
في الفكر و الدعوة
التي هي مطلوبة من هذه الأمة على أن هذا الاجتماع الذي يجمع شتيتاً من المصلين هو مظهر للوحدة بين أنواع صنوف البشر، فالغني يقف إلى جانب الفقير، والقوي إلى جانب الضعيف، والحاكم إلى جانب المحكوم، والعربي إلى جانب الأعجمي، والأبيض إلى جانب الأسود، لا فارق بين هذا وذاك، إلا ما يتميز به بعضهم على بعض من عمق روح التقوى في نفسه وكل ذلك يعمّق روح الأخوة في نفوسهم جميعاً ويبعثهم على التنافس في مضمار
التقوى.
والزكاة تردم الهوة وتقضي على الفروق بين طائفتي الأغنياء والفقراء فهي من ناحية تفجر مشاعر الرحمة في نفوس الأغنياء الذين يسخون بمالهم تجاه إخوانهم الفقراء والمساكين ومن ناحية أخرى تدعو هؤلاء إلى أن يشعروا تجاه إخوانهم الأغنياء بمشاعر الحب والولاء، فينصهروا جميعاً في بوتقة مودة تجمعهم جميعاً في ظل العبودية لله.
وفي الصيام أكثر من أمر يبعث على الوحدة ما بين عباد الله تعالى الصائمين، كالانتظام في تناول الطعام بحيث لا يكون أحد أسبق إلى تناوله من الآخر، وإنما يتناولونه جميعاً في وقت واحد، يفطرون جميعاً من صيامهم في لحظة واحدة، كما يكفّون عن تناوله، ويشرعون في صيامهم في لحظة واحدة، كل ذلك مما يوحد الأمة، فضلاً عما فيه من التربية على الأخلاق التي يدلّ عليها قول النبي: إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يجهل، فإن أحد سابه أو قاتله فليقل إني صائم» (رواه الربيع والبخاري)، فإنّ هذا أحسن خُلق وأسماه يربي عليه النبي الله هذه الأمة من خلال هذه العبادة المقدسة، فالصائم ليس مطلوباً منه أن يكفَّ أذاه عن الغير فحسب، بل أن يتحمّل أذى الغير أيضاً، وألا يقابل الإساءة بمثلها، فإذا تعامل المؤمنون بمثل هذه الأخلاق كان ذلك داعيا إلى الاتحاد وزوال الشحناء من صدورهم، وتوريثهم المودة والحنان والشفقة والوئام.
والحج يجمع شتيت الأمة، ممثلة في الوفود التي تأتي من كل صوب وحدب، من مشارق الأرض ومغاربها وشمالها وجنوبها ليلتقوا جميعاً في صعيد واحد لا يفرق بينهم شيء، إذ الكل يظهر في مظهر واحد لا فرق بين القوي والضعيف، ولا بين الغني والفقير، ولا بين العربي والأعجمي، ولا بين القاصي والداني كل واحد يتجرد في ثوبي إحرامه ويرددون جميعا بلسان واحد لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك
276