لقاءات في الفكر والدعوة
الجزء ١ · صفحة ٢٧٧وحدة الأمة
والملك لا شريك لك، وهذا مما يعمّق في نفوسهم وحدة المشاعر والأحاسيس والمبادئ والغايات والمساعي والأماني، ويدعو إلى إزالة الفوارق بينهم وكسر الحواجز التي تفصل
بعضهم عن بعض.
وهكذا المعاملات بأسرها إنما هي مبنية على الأخلاق، فإن المعاملات في الإسلام داعية إلى شد الأواصر وتمكين الروابط بين جميع أطرافها، فنحن نجد كيف شُرعت الحقوق في الإسلام، شُرِع حق الوالدين وحق الأولاد وحق الأرحام وحق الجوار وحق المسلم على المسلم، وكلّ ذلك من أقوى الأسباب لعطف الناس بعضهم على بعض وتآزرهم على الخير وتعاونهم على البر والتقوى والتوحد.
عندما
وهكذا المعاملات المالية والعلاقات الاجتماعية وغيرها مبنية على الأخلاق، فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يساوم المسلم على سوم أخيه، أو يخطب على خطبته، وهذا مما يدعو إلى التآلف بينهم، ويجسد النبي الله هذه المشاعر الإيمانية التي تجمع شتيت الأمة يقول: «ترى المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر» (رواه البخاري ومسلم).
ولما كان ذلك هو دين الإسلام وهذه هي قيمه التي يدعو إليها، وهذه هي الحلية التي يجب أن تتحلى بها هذه الأمة، فإذا هي مطالبة بأن تكون أمة واحدة بجميع الاعتبارات، وإذا كانت المصائب تنزل بهم فإن ذلك أحرى أن تكون باعثة إلى الاتحاد وقاضية على أسباب التفرق والخلاف، فالمسلم عليه أن يشعر بمشاعر الألم عندما يتألم أي مسلم، فلو تألّم أحد من المسلمين في مشارق الأرض كان على من في مغاربها منهم أن يتألم لألمه، وكذا العكس، والمسلم يشعر أيضاً بالفرحة بفرح المسلم، فانتصار المؤمنين مما يجعل كلّ مؤمن في الأرض يشعر بالفرحة الغامرة التي تغمر القلوب بسبب هذا الانتصار، وكذلك عندما يصاب المسلمون بنكبة تنعكس آثارها عليهم جميعاً. وكون هذه الأُمة مستهدفة في عقيدتها، وفي سياستها، وفي أخلاقها وآدابها، وفي ثقافتها وقيمها، وفي قوّتها وحريتها؛ كلّ ذلك مما يدعوها إلى الاتحاد فيما بينها، وأن يعطف بعضها على بعض، وأن يكون الكلّ متحابين في الله، ساعين بإخلاص إلى الرابطة المقدسة
التي تربط بينهم.
277