لقاءات في الفكر والدعوة أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

لقاءات في الفكر والدعوة

الجزء ١ · صفحة ٢٩٠

لقاعات

في الفكر و الدعوة

كذلك قوله: واعلموا أنّ في سيركم عليكم من الله حفظة يعلمون ما تفعلون فاستحيوا منهم، ولا تعملوا بمعاصي الله وأنتم في سبيل الله، هو دعوة إلى التوبة النصوح … إلخ، وهذا يعني أن كل ما في هذه الوصية دعوة إلى التوبة.

ونحن عندما ننظر في تاريخ المسلمين عموماً وتاريخ أهل الاستقامة في الدين خصوصاً نجد أنهم كانوا حِرَاصاً على التوبة في جميع الأحوال، ولكن عندما تنزل نازلة كهذه يستنفر أهل الصلاح الناس جميعاً للتوبة، ومن أمثلة ذلك ما وقع في بداية القرن العاشر الهجري،

عندما داهمت قوات النصارى الإسبان جزيرة جربة التونسية الإباضية، وقد تفجرت براكين الحقد من أولئك النّصارى بعدما غليت به صدورهم منذ اجتاحوا الأندلس، فأخذوا يتتبعون فلول المسلمين النازحين من الأندلس ويخططون لاجتياح بلادهم حيثما يتسنى لهم، فكانت سفنهم تمخر عباب البحر الأبيض المتوسط، وتترصد لقوارب المسلمين من أجل أسرهم وأخذهم إلى بلاد الغرب لبيعهم أو استخدامهم تحت وطأة الذل والهوان، وبدخول القرن العاشر الهجري بدأوا يحتلون الموانئ الإسلامية ميناء بعد ميناء من بجاية إلى طرابلس.

وكانت جربة جزيرة يحيط بها البحر من جهاتها الأربع، وظل أهلها في خوف أن يصيبهم ما أصاب غيرهم من اجتياح الأعداء، لذلك اهتم أميرهم - وكان يُدعى أبا زكريا يحيى السمومني - فأخذ يخطط لحماية الجزيرة وأهلها من هذا الشر المرتقب، فرأى أن يشاور رئيس مجلس العزابة - والعزابة هي هيئة دينية تقوم بشؤون الدين وتطبيق تعاليمه، وتتصدى للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بين الناس - ومن كان على رأس مجلس العزابة يتعين أن يكون من أعلم الناس وأفضلهم وأعقلهم، وكان على رأس مجلس عزابة جربة يومئذ الشيخ أبو النجاة يونس بن سعيد التعاريتي، فأتاه الشيخ أبو زكريا يحيى السمومني من أجل التشاور في هذه القضية العظيمة فأجابه: إنكم بين أمرين اثنين لا ثالث لهما: إما أن تستسلموا للأمر الواقع بحيث تسلّمون الجزيرة للغزاة، وإما أن تقاوموهم، وأنتم عندما تقاومون هؤلاء الغزاة الماردين فاعلموا أنكم تقاومون قوة شرسة، ولا تستندون في مقاومتكم إلى أي قوة بشرية، وإنما تعولون على لطف الله - تبارك وتعالى ـ وعنايته فحسب، فأنتم في جزيرة يحيط بها البحر من كل الجهات، ثم إن إخوانكم لا يتمكنون من مناصرتكم بسبب الظروف الطبيعية والظروف الطارئة التي حلت بهم، وإنما علينا أن

290

٢٩٠ / ٤٩٤