لقاءات في الفكر والدعوة
الجزء ١ · صفحة ٢٩٢292
لقاعات
في الفكر و الدعوة
فشق هذا الجواب على القائد المتكبر الذي شمخ بأنفه وامتلأ يافوخه كبراً، وكان يتصور بأن هذه الجزيرة ليست إلا لقمة سائغة تزدرد بأسرع وقت. وظل بين عاطفته الجامحة التي تدفعه للانتقام وبين عقله الذي يحول بينه وبين ذلك، نظراً إلى أن هذا الجواب إنما ينم عن قوة إن لم تكن قوةً ماديةً فهي قوة معنوية.
وتردد بين الأمرين ورأى أخيراً أن يقدّم منطق العقل الكابح على منطق العاطفة الجامح، فرجع إلى طرابلس ليزداد من العتاد والقوة ما يواجه به كبرياء هذه الجزيرة العاتية التي شمخت فوق كبريائه، فأعد أسطولاً يتكون من مائة وعشرين سفينة تحمل عشرين ألفاً المقاتلين الذين زُوّدوا بأحدث ما كانت العقول البشرية ابتكرته من أنواع الأسلحة ووسائل
الدمار.
من
وعاد أدراجه إلى الجزيرة مرة أخرى بعدته وعتاده وقضه وقضيضه، وهو يتصور أن ازدراد الجزيرة سيكون أسهل عليه من إساغة جرعة الماء البارد في نهار الصيف الظامئ، وعلم أهل الجزيرة بإقبال الكفر في خيلائه وكبريائه وشموخه وجبروته ممثلا في هذه الفئة العاتية، التي لا تقيم للحق وزناً ولا تعرف للإنسانية معنى، إذ لم تعرف الرحمة إلى قلوبها سبيلاً.
=
ونزلت في أطراف الجزيرة جحافل الغزاة الهائجة كالكلاب المسعورة لا همّ لها إلا أن تفري أديم ضحاياها وتمزع أشلاءهم، وبدأوا أول ما وصولوا بإرهاب أهل الجزيرة بكل الوسائل التي تثير الرعب وتطير بالألباب، كإطلاق المدافع وإنشاد الأناشيد الحربية المصحوبة بالآلات الموسيقية المزعجة، ولكن ما كان ذلك ليهول أهل الجزيرة الذين كانوا مطمئنين بذكر الله سبحانه واللجوء إليه والرغبة فيما لديه، وكان البون لا يتصور شسوعه بين مسلكي الطائفتين، فأولئك الغزاة قضوا ليلتهم في عربدتهم وقد امتلكهم الغرور واستبدت بهم نشوته التي أسكرتهم، فما كانوا يفكرون في صروف الدهر وعوادي الزمن، وإنما كانوا يرون الدهر طوع أمرهم والزمن خاضعاً لهواهم، أما أهل الجزيرة فقد باتوا بين راكع وساجد، وما كان همهم إلا في تبييض صفحات أعمالهم وتطهير قلوبهم من رجس المعاصي وتصفيتها من أكدار الهوى، فأشرقت عليها أنوار الحضرة القدسية وحلقت في أجواء ملكوت الله سبحانه، غير عابئة بقوى العدو وعدته وعتاده لأنها ترى قوة الله تعالى الغالبة وقهره النافذ في ملكه وملكوته، وكانت تلك الليلة ليلة جمعة.