لقاءات في الفكر والدعوة أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

لقاءات في الفكر والدعوة

الجزء ١ · صفحة ٢٩٣

المسلمون في الأقصى (واقع واستشراف)

وفي صباحها ظل أهل الجزيرة ينتظرون تحرك هؤلاء الجنود نحوهم وهم في شغف إلى لقائهم ليفوزوا بإحدى الحسنيين، إما النصر العتيد الذي يعقبه الأمن والأمان في ظل العبودية لله الا الله وحده، أو الشهادة في سبيله وما يتبعها من جواره تعالى في جنة عرضها السموات والأرض أعدّت للمتقين، ولما حان وقت الصلاة صلّى بالناس الشيخ أبو النجاة

الشهادة

هي

يجب

يونس بن سعيد التعاريتي وخطب فيهم خطبة شوّقهم فيها إلى الجهاد والاستشهاد في سبيل الله ورغبهم فيما عند الله، وأخبرهم بأنه مما أن يكون في خلد كل أحد منهم أن أحب إليه من النصر، لأنها طريق فوزه بلقاء الله وتبوئه الدرجات العلى في جنته، فهي الحسنى الكبرى التي يجب على المسلم أن يحرص عليها، والأمر الآخر الذي يجب أن يكون في قرارة نفوس الجميع أن التسليم لهؤلاء الغزاة يستحيل على أي واحد من أفراد جيش المسلمين، فلا بد أن يقاتل كل أحد جهده حتى يلقى الله الله، وعلى كل واحد منهم أن يحرص أن يقتل على الأقل اثنين من الكفرة قبل أن يلقى ربه الله شهيداً.

وكان عدد المقاتلين من أهل الجزيرة حسب إحصائيات الغربيين أنفسهم لا تتجاوز ثلاثة آلاف، وهؤلاء لا يملكون سلاحاً إلا الأسلحة البدائية، العادية، كالسيوف القديمة والرماح المألوفة وبنادق الصيد البسيطة، وكانوا يواجهون بهذا جيشاً منظماً قوامه عشرون ألف مقاتل مدجج بالسلاح مدرب على صنوف القتال، مزود بكل ما يمكنه به أن يرهب عدوه.

وما هي إلا لحظات بعد الصلاة حتى زحف ذلك الجيش العرمرم، وتقدم نحوه الجيش الإسلامي واصطف المسلمون صفاً واحداً في مواجهة صفوف متراصة من قبل العدو، وكان من خطة العدو أنّ كل صف من صفوفهم يأخذ نصيبه من الراحة بعد القتال، فعندما يقاتل الصف الأمامي إذا أحس بالتعب رجع أدراجه إلى الخلف، وتقدم الصف الذي يليه، وأخذ هو قسطاً من الراحة بحيث لو تمكّن المسلمون من دحر هذه الصفوف بعد صف لكان ذلك الصف الذي قاتل أولاً قد أخذ من الراحة والاستجمام ما يمكنه من استعادة نشاطه وقوته، وفي مواجهة هذه الصفوف ما كان المسلمون يملكون إلا ذلك الصف الواحد فقط، ونادى شيخ الجزيرة في الجيش الإسلامي ليؤكّد لهم ما قاله الشيخ أبو النجاة من أنّ التسليم أمر مستحيل، فيجب على كل أحدٍ أن يقاتل إلى أن يلقى الله الله شهيداً، ولا يجوز أن يدور في بال أي أحد أنه يستسلم أو يُسلِّم.

صفاً

293

٢٩٣ / ٤٩٤