لقاءات في الفكر والدعوة
الجزء ١ · صفحة ٢٩٤294
لقاعات
في الفكر و الدعوة
وبدأت المعركة فواجه الصف الإسلامي الصف الأول من صفوف الغزاة، ثم لم يلبث المسلمون - بمشيئة الله سبحانه - أن دحروا ذلك الصف، وعاد أدراجه إلى الخلف وتقدم الذي يليه ليحل محله، ورأى ابن شيخ الجزيرة - ويدعى أبا الربيع سليمان بن أبي زكريا السمومني - أن هذا الصف من استشهد منه يظل مكانه فارغاً لا يجد من يملؤه بينما جيش العدو بخلاف ذلك لكثرة المقاتلين فيهم، فرأى أن إحداث بلبلة في قلب جيش العدو هو السبب الأنجح والسبيل الأيسر في تحقيق النصر - بمشيئة الله فخرج بطائفة من المسلمين إلى الخلف، وكان المقاتلون الأولون الذين كانوا في الصف الأول يتحدثون إلى أصحابهم عن بطولات المسلمين، وما كانوا يلقونه منهم بحيث كاد الموت ينطلق إليهم ليرديهم من غير سلاح وهو تتقاذف إليهم حممه من ذلك الصف الإسلامي المرصوص الثابت، فبينما هم يتحدثون بهذا إذا بالأمر الذي يتحدثون عنه يفاجئهم في مكانهم ذلك، فأخذ المسلمون يقتلون ويأسرون، وحدثت بلبلة أرجفت الأرض تحت أقدام الكفرة الغزاة وأوجفت قلوبهم فكادت تنخلع من أقفاص صدورهم، وحاول الضّبّاط والقواد أن ينظموا جيشهم الذي شتته الاضطراب ولكن لم يكن لينتظم بعد أن رأى كل من أفراده الموت الزؤام فاغراً فاه ليبتلعه فيمن ابتلع من إخوانه فكانوا اينما ولوا وجوههم وجدوا الموت يترصدهم، والمسلمون يحيطون بهم إحاطة القيد بالساق والغل بالعنق والطوفان بالغريق، فإن تقدّموا وجدوهم أمامهم، وإن تأخروا وجدوهم خلفهم، وإن أيمنوا وجدوهم على الميمنة، وإن أشأموا وجدوهم على المشأمة، فكان لسان حال كل منهم يخاطب المسلم بما قاله نابغة ذبيان للنعمان: فإنك كالليل الذي هو مدركي وإن خلت أن المنتآى عنك واسع
ولا تعجب من ذلك فإن لله جنود السموات والأرض وهو ينصر عباده المؤمنين بالرعب الذي يخذل به أعداءه الكافرين.
وفي وسط هذه البلبلة والاضطراب ما كان لأولئك الغزاة من مناص إلا الفرار فأخذوا يزحفون إلى جهة السفن كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة والمسلمون وراءهم يقتلون ويأسرون حتى وصلوا إلى البحر وقد أعياهم التعب وامتلكهم الخوف، فاستسلموا للمضاجع، وعاد المسلمون بعددٍ من الأسرى يتراوح بين (6000 - 7000) أسير، بينما القتلى يتجاوزن الـ (3000) قتيل - أي أكثر من المقاتلين من أهل الجزيرة ..