لقاءات في الفكر والدعوة أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

لقاءات في الفكر والدعوة

الجزء ١ · صفحة ٣٠

لقاعات

في الفِكْرِ وَ الدَّعْوَةِ

المحاور: الرخصة موجودة في الكثير من الأحكام الفقهية وهي تتناسق مع قول النبي صلى الله عليه وسلم: «يسروا ولا تعسروا» (رواه البخاري ومسلم، وأنه صلى الله عليه وسلم ما خُيْرَ بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً رواه البخاري ومسلم)، لكن العلماء لا يظهرون هذه الرخصة بل ينفرون من تتبعها ويزجرون من يسأل عنها، ألا يتناقض هذا مع الحديث الداعي إلى اليسر؟

ما

هي الرخصة في عرف الفقهاء؟ إنما الرخصة هي القول العاري من الدليل، والقول العاري من الدليل ولو قاله من قاله فإنه لا يعتد به، إذا لا يعدل طال بالحق عن الدليل إلى غيره، قد نجد من الفقهاء من يقول ورُخّص، ولكن في مصطلحهم أن هذه الرخصة هي قول لم يقم عليه دليل، ومن المعلوم أن الإنسان متعبد باتباع الدليل مع وجوده، فإن كان الدليل قطعياً فتعبده به أمر قطعي، وإن كان ظنيّاً فتعبده به أيضاً أمر ظني، وهو وإن كان لا يُقطع عذره إن خالف الدليل الظني إلا أنه إن كان ذلك تبعاً أنه لا يجوز له اتباع الهوى؛ إذ ليس للإنسان أن يعرض عن الدليل مع قيام

لهواه فلا ريب

الحجة به.

ولا

أنه مع وجود الدليل الشرعي من كتاب الله أو من سُنَّة رسوله سواء كان هذا ريب الدليل نصياً أو كان ظاهراً؛ لا يجوز للإنسان أن يعدل عنه؛ لأن الله - تعالى - يقول: فَإِن تَنَتَزَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تأْوِيلًا} [النساء: 59]، ويقول: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَستَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: 83]، ويقول الله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا﴾ [الأحزاب: 36]، فليس للإنسان مع وجود الحجة في كتاب الله أو في سُنَّة رسوله سواء كانت هذه الحجة نصية أو كانت ظاهرة أن يقوم باعتصار ذهنه من أجل أن يصل إلى قول يخالف الدليل الشرعي أو يسلس قياده لمن أتى بقول من عنده بغير دليل.

كما أن الأدلة أيضاً تتعارض، وقد يكون الدليل الذي استدل به العالم هو الدليل الأقوى، وليس للعالم أن يعدل عن الدليل الأقوى إلى الدليل الأضعف؛ لأنه مطالب أن يقارن بين الأدلة، وينظر المرجحات ما بينها فقد يكون هنالك دليل ولكن هنالك ما يدلّ على أنه

٣٠ / ٤٩٤