لقاءات في الفكر والدعوة
الجزء ١ · صفحة ٣٠٣المسلمون في الأقصى (واقع واستشراف)
التحرك العالمي للتعبير عن مشاعر الغيرة والغضب من أجل ما أصاب الأقصى الشريف، وكان هذا التوجه النبيل من شعوب الأُمة الذي حمدنا الله - تبارك وتعالى ـ عليه، وهو مما يدلّ على أن هذه الأمة لا يزال فيها الخير - بإذن الله -، ونرجو مع هذه الدفعة الحيوية التي كانت لهذه الأُمة إبان هذا الانتهاك لحرمة المسجد الأقصى أن تظل سارية الأثر في حياتها دائماً، ونرجو أن تكون - بتأثير هذه الدفعة الحيوية وهذه الروح العالية ـ مهتمة أيضاً بجميع قضاياها في العالم الإسلامي بأسره من أقصاه بحيث تعتبر تطهير أي جزء دُنّس من أرض الإسلام بأي إجرام أمراً واجباً عليها جميعاً، وتعتبر تخليص أي شبر من أرض الإسلام تسلط عليه أعداء الإسلام أمراً لا بد منه يظل دينا في رقابها حتى يمنّ الله - تبارك وتعالى - عليها بالتوفيق لأدائه.
أنا لا أنكر أن هذه الأمة أصيبت بنكسة ارتدادية من تأثير مخططات أعداء الإسلام، وهي نكسة التحزّب للقوميات الضيقة بدلاً من الانتماء إلى العقيدة الإسلامية التي تجمع شتات الأمة على تعدد شعوبها واختلاف أعراقها وتباين ألسنتها، ومن خلال مطالعتنا للتاريخ أدركنا أن هذه النكسة خُطَّطَ لها من قِبَلِ جميع اعداء الإسلام؛ لتكون ممزقة لشمل هذه الأمة، وكان ميلادها - على اختلاف توجهاتها وفي شتى بقاعها ـ في وقت واحد، فالقومية العربية ولدت في الكلية البروتستانتية بلبنان على أيدي نصارى العرب بعدما خطط لها الغرب، في عام (1263 هـ ـ 1847 م)، ووُلدت القومية الطورانية في تركيا على أيدي يهود الدونما بعد ذلك بعام واحد، وهو يدل على أن التخطيط لميلاد القوميتين جميعاً كان واحداً.
في
وكان لدعوات هذه القوميات أثر سلبي في حياة الأمة، فقد مرت بالمسلمين حقبة التأريخ - أدركناها - كانوا تناسوا فيها العقيدة وضرورة الانتماء إليها والارتباط بها في قضاياها المصيرية، ولذلك صاروا ينتمون إلى هذه القوميات الضيقة التي جعلت الأُمة مقطعة الأوصال ممزعة الأشلاء كما أراد لها أعداء الإسلام، ولكن ـ بحمد الله ـ ثبت فشل دعوات هذه القوميات، وتبخرت تلك النعرات التي كانت تنادي بها وثبت أن مناط الاجتماع ومعقد الوفاق بين الأمة إنما هو العقيدة الإسلامية وحدها، وبهذا أصبحت الأُمة الآن تعيش ـ بحمد الله في صحوة بعدما غفت برهة من الدهر وتلاشى الانتماء إلى تلكم القوميات الجاهلية كما يتبدد الضباب بإشراق شمس الظهيرة.
303