لقاءات في الفكر والدعوة أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

لقاءات في الفكر والدعوة

الجزء ١ · صفحة ٣١١

المسلمون في الأقصى (واقع واستشراف)

عاقلاً حكيماً يسمى «ته تسونج»، يدلّ على هذا كيف كان تعامله مع رسول إمبراطور فارس إليه، ولما سلّم الرسول إليه الكتاب جلس إليه جلسة واستمع منه وسأله عما علق بذهنه من التساؤلات فيما يتعلق بهذه الفئة التي خرجت عليهم، وأول ما سأله عنه: هل هؤلاء القوم الذين خرجوا عدداً أو أقل عدداً؟ فأجابه بأنهم أقل عدداً، قال له: هل هم أكثر عدة

عليكم هم أكثر منكم أو أقل عدة؟ فأجابه: إنهم أقل عدة، قال له: أخبرني عن حالهم، فقال له: إنهم رهبان بالليل، وفرسان بالنهار، قال له: أخبرني عن طعامهم، قال له: يأكلون بقدر ما يعيشون، قال له: أخبرني عن لباسهم، قال له: يلبسون بقدر ما يستترون، ويقولون (وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ} [الأعراف: 26]، قال له: أخبرني عن حالهم فيما بينهم، قال له: قلوبهم كقلب رجل واحد.

فرد عليه قائلاً: لم ينتصروا عليكم مع قلتهم وكثرتكم إلا بما ذكرته من أوصافهم، ثم كتب رسالة جوابية إلى إمبراطور فارس جاء فيها: «قد وصلني كتابك وفهمت ما عند رسولك، ولا يمنعني من إرسال جيش أوله بمرو - أي خراسان - وآخره بالصين، إلا أن أولئك القوم الذين خرجوا عليكم لا يقاومهم شيء، فلو وَقَفَت الجبال في سبيلهم لدكدكوها، ولو أرادوني لانتزعوني من مكاني هذا، فإن شئت أن تسلم فاستسلم لهم».

فإن هذا - ولا ريب - من النصر بالرعب، فانظر كيف راع هذا الإمبراطور الكبير الذي هو في أعماق أرض الصين، وهي محصنة بأسوارها وحصونها وقلاعها ورجالها، وبينها وبين البلاد الإسلامية في ذلك الوقت ما لا يحصى من المفاوز والقفار والبحور والجبال وغير ذلك، ناهيك بكثرتهم الكاثرة في عددهم وعدتهم بحيث يمكنه إن يرسل جيشاً أوله بمرو - أي خراسان - وآخره بالصين، ومع ذلك يهوله أمر المسلمين حتى يشعر بأنهم قادرون على إزالته من مكانه لو شاؤوا ذلك، فإن ذلك دليل على أن هذه الأمة منصورة بالرعب، لكن متى يكون ذلك؟! إنما ذلك عندما تحاسب نفسها حساباً دقيقاً حتى تكون جميع أعمالها ترجمة لما في كتاب الله ولما في سُنَّة رسول الله، فإن عمر له زوّد أولئك الجند تلكم الوصية البالغة، التي كانت القوة الفاعلة التي لانت بين أيديها جميع القوى، لانت بين أيديها قوى العتاد وقوى البشر، ولم تقف أمامها أي قوة لصدها، وكان من جملة ما وصاهم به قوله: « … وأوصيك ومن معك من الأجناد أن تكونوا أشد احتراساً من المعاصي منكم من عدوكم، فإنّ ذنوب الجند أخوف عليهم من عدوهم».

311

٣١١ / ٤٩٤