لقاءات في الفكر والدعوة
الجزء ١ · صفحة ٣٣٣حوار الحضارات
وكما أنه يحاور المشركين من العرب هذا الحوار؛ بحيث إنّه يوقفهم على الحقيقة التي يجب أن يسلّموا لها إن كانوا عقلاء، وهي وحدانية الله، فإنه يحاور أيضاً أهل الكتاب، ويبين لهم أنّ الحق يقتضي أن يفردوا الله - تبارك وتعالى - بالعبادة، وأن لا يشركوا معه غيره، فالله - تبارك وتعالى - يقول: ﴿قُلْ يَتَأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران 64]، هذا هو منطق العقل، فالله لا يدعو
إلى الاجتماع على كلمة سواء بين المؤمنين وبين أهل الكتاب، وهذه الكلمة السواء هي لا يشركوا بالله ما لم يأذن به، وأن لا يتخذ بعضهم بعضاً أرباباً، وأن لا يدعوا مع
إلهاً آخر.
أساسه.
أن
الله
هذا كله حوار جاء به الإسلام دين الله تعالى الحق، فالإسلام يفتح مجالاً واسعاً للحوار مع أي أحد، ولكن لا يعني ذلك التشكيك في أي قضية من قضايا الإسلام، فالإسلام جاء من عند الله، وليس لأحد فيه دخل، فلا يعني الحوار أن ينزل المسلم عن شيء من قضايا الإسلام لا عقيدته ولا شريعته ولا أي شيء مما جاء في كتاب الله أو ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ لا يمكن أن يكون لأي أحد في ذلك دخل، ولا يملك أي أحد أن ينزل عن أي شيء من ذلك، وكلّ من ردّ شيئاً من ذلك فهو ناقض للإسلام من وإنما هذا الحوار من أجل أن هذه الرسالة - رسالة الإسلام - هي رسالة عالمية، رسالة لا تقف عند حدود الزمان والمكان، جاءت لتكون هدى للناس، وهدى للعالمين كما قال تعالى: لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} [الفرقان: 1]، جاءت هذه الرسالة من أجل إخراج هذا العالم بأسره من فساده وانحرافه وباطله إلى الصلاح والحق والاستقامة على سواء الصراط، والله - تبارك وتعالى - أخبر فيما أنزله في مكة المكرمة في الآيات المكية أنّ هذا الإسلام هو رحمة للعالمين، يقول الله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرُ لِلْعَالَمِينَ﴾ [يوسف: 104]، ويقول (وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ} [القلم: 52]، جاء ذلك كما نرى في سورة يوسف وهي سورة مكية، وفي سورة ص والقلم، والتكوير، وهذه كلها سور مكية.
وكثير من الناس الذين كَبُر عليهم أن تكون دعوة الإسلام دعوة عالمية حاولوا أن يكابروا ويزعموا بأن عالمية الإسلام ما كانت مذكورة في الدعوة المكية، وإنما أعلنها رسول الله صلى الله عليه وسلم
333