لقاءات في الفكر والدعوة
الجزء ١ · صفحة ٣٣٥حوار الحضارات
جعلهم طليعة هذا الفتح الإسلامي الذي جعله الله رحمةً للعالم كله، فنحن علينا أن نعتزّ بإسلامنا لا، بعنصرنا أما لو اعتززنا بعنصرنا فإن في تاريخ الأمم الأخرى من غير العرب من الأمجاد المادية الدنيوية ما تتضاءل معه أمجاد العرب، فقد بنوا امبراطوريات، وفتحوا الدنيا، واستذلّوا الناس، وقهروا الأمم، وإنما الإسلام هو الذي رفع من شأن العرب، ورفع أيضاً من شأن الأمم الأخرى، إذ أخرجها من الظلمات إلى النور، ومن الباطل إلى الحق، ومن الفساد إلى الصلاح، ومن الضيق إلى السعة، ومن الجور إلى العدل، وسوّى
ما بين الجميع.
يستسلم
هذا؛ والهوية الإسلامية لا يمكن المساس بها، فلا تستبدل بها هوية أخرى إلا عند من أعمى الله بصيرته، وطمس فطرته، وسلبه عقله، والمسلم لا يكون مسلماً حقاً إلا عندما لله - تبارك وتعالى - في ظاهره وباطنه، وسره وعلانيته، ويسره وعسره، وسلمه وحربه، ورضاه وسخطه، فالله ما بين ماهية الإسلام حيث قال: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَنِي رَبِّ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمَا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: 161 - 163]، فالمسلم من أسلم ظاهره وباطنه، روحه وجسمه، قلبه وعقله، ضميره وغرائزه لله تعالى؛ إذ الإسلام هو الاستسلام لا للمخلوق، ولكن لرب المخلوقين، لمن خلق السماوات والأرض، وصرف هذا الوجود، وتجلّى كبرياؤه في كل جزء من مملكته، من ذراته الدقيقة إلى مجراته الواسعة إلى ما هو أوسع من ذلك مما لم نصل إليه بحس ولا فكر، الذي يتجلى في كلّ موجود وجوده، ويغمر كل مشهود شهوده، تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِعَهْدِهِ وَلَكِن لَّا نَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} [الإسراء: 44]، وفي هذا الاستسلام تحرير للرقاب من أن تخضع لغيره الله، و للنفوس من أن تتطامن إلا لجلاله وكبريائه.
هذا
هو الإسلام الذي ينقذ الإنسانية الحائرة التعيسة من هلاكها، ويخرجها من حيرتها، وينزل عليها السكينة فتهدأ بعد الاضطراب، وتصحو بعد السكرة، وتستبصر بعد العمى، وهو الذي يحرّر الإنسان من أن يكون عبداً لشهواته، أو لرغباته، أو لبيئته، أو لموروثاته الفكرية ويخلص عبوديته لله وحده، الذي خلق السموات والأرض وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ} [الرعد: 8].
335