لقاءات في الفكر والدعوة أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

لقاءات في الفكر والدعوة

الجزء ١ · صفحة ٣٣٨

338

لقاعات

في الفِكْرِ وَالدَّعْوَةِ

مشكلات الإنسانية بأسرها فيها ما يشفي غلّة كلّ صاد، وما يقضي على كل مشكلة في هذه الحياة؛ لأنها جاءت من عند الله الذي هو الخبير بمصالح العباد، وبطوايا فطرهم، ودخائل نفوسهم، وبالطبيعة التي تربطهم بهذا الكون من حولهم، فالله الله يعلم كل ما دق ولطف من هذا كلّه، ولذلك جاءت شريعته منسجمة مع نواميس الكون وسنن الوجود أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: 14].

وأما إذا جئنا إلى الفقه بمعنى فهم العباد، فإن الأفهام تتباين في إدراك مضامين خطاب الله تعالى، ففيها القاصر العاجز عن إدراك أسرار الله في تشريعه وحكمه في أحكامه، وفيها الموفي القادر على اكتناه هذه الحقائق، ولكن هذه التوفية هي في حدود القدرات البشرية المحدودة؛ لأن الطاقات البشرية هي بأسرها محدودة، ولذلك يتجدد الاجتهاد باختلاف العصور واختلاف الأحوال، وقد نجد المجتهد الواحد يكون له اجتهاد في مرحلة من عمره،، ثم تأتي من بعد مرحلة تفرز فيها خبرته وتجاربه اجتهاداً آخر يختلف مع سابقه كما كان ذلك للإمام الشافعي ما بين قديمه وجديده في فقهه الواسع، وهكذا بقية الأئمة والعلماء الآخرين، وهذا لا يعني أن هنالك تصادماً ما بين هذا الاجتهاد وذلك، ولكن يعني هذا أن فهم الإنسان يتجدد، والبيئة تختلف، والظروف تتنوّع.

يعني

أنه

ونحن نجد في عهد الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم - تنوع اجتهادهم واختلافهم بين ظرف وآخر نتيجة انفتاحهم على العالم عندما توسعت الفتوحات الإسلامية، بل نجد أنّ عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - مع قربه من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع قربه من عهد أبي بكر - رضي الله تعالى عنه - كانت له اجتهادات قد تكون نوعاً ما تبدو مختلفة عن الذي درج عليه الناس في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وفي عهد أبي بكر، ولكن هذا لا مصادم لما كان في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وما كان في عهد أبي بكر، وإنما كان ذلك نتيجة ظروف مختلفة أملت في كل مرحلة من مراحلها نظرة جديدة وجب اعتبارها والأخذ بها في الاجتهاد، بل نجد أن عمر اجتهد في فهم النص اجتهاداً راعى فيه مقصد الشارع، فطبق النص تطبيقاً يتلاءم مع الظروف التي كانت تكتنف حياة الأمة الإسلامية في عهده، وذلك في سهم المؤلفة قلوبهم، فهو لم يلغ النص قطّ، ولم يردّ حكم الله تعالى، وإنما

٣٣٨ / ٤٩٤