لقاءات في الفكر والدعوة أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

لقاءات في الفكر والدعوة

الجزء ١ · صفحة ٣٣٩

حوار الحضارات

طبق النص تطبيقاً يتواءم مع مقصد الشارع الحكيم، فإعطاء المؤلفة قلوبهم هذا السهم إنما هو لأجل كفاف شرّهم واستدرار خيرهم في وقت كانت الأُمة تحتاج إليهم، فلما قويت شوكة الأمة وأصبحت يحسب لها كل حساب - إذ صارت تهز عروش الأكاسرة والقياصرة بفتوحاتها العظيمة - لم يعد هنالك احتياج إلى أن تتألّف قلوب هؤلاء، بل صاروا مغمورين بهذه الكثرة المؤمنة وبهذا المد الإسلامي الواسع، فلم تعد هنالك حاجة إليهم، وإنما كانت مصارف الزكاة الأخرى هي أحوج إلى هذا السهم.

فعمر بن الخطاب لم يلغ النصّ، ولا نقول بأنّ النصّ ملغى، بل هو إلى الآن يطبق عندما تكون هنالك حاجة من الأمة إلى إعطاء المؤلفة قلوبهم سهماً من الزكاة، أما عندما تكون مستغنية بحيث يكون أبناء الأمة الأوفياء هم بمقدرة على أن يسوسوا أمرهم ويدفعوا عن أمتهم ما يلم بها من غير احتياج إلى أولئك؛ فإنه يستغنى عنهم، ويصرف هذا السهم للمصارف الأخرى التي هي بحاجة إليه.

فإذن فقه الأمة لا بد من أن يكون متجدّداً، ونحن نرى فقهاءنا توسّع فقههم بحسب توسّع الزمن الذي عاشوا فيه، فبقدر ما يكون الزمن الذي يعيشون فيه زمناً واسعاً تتجدد اجتهاداتهم نظراً إلى القضايا المستجدة.

ولا ريب أن طبيعة البشر طبيعة متطورة، فالإنسان لم يخلق ليظلّ جامداً كما كان من قبل، وإنما خُلق متطوّراً، فلذلك تتطوّر البيئة من حوله بتطوّر فكره، فهو يؤثر على هذه البيئة إيجاباً وسلباً من حيث النهج الذي يسير عليه، وبحسب العقلية التي يكون عليها.

وإذا كان هذا التطور سنة من سنن الله في جميع القرون المتتالية؛ فإنه في قرننا هذا شهد طفرة عجيبة، فإذا كان تطوّر البشرية يقاس فيما مضى بالمقاييس البسيطة القريبة في العصور السابقة؛ فإنه في عصرنا هذا يكاد يقاس بسرعة الضوء، لذلك كان عصرنا بحاجة إلى تجديد الاجتهاد مع هذه التطورات المذهلة، ومع المشكلات التي تفرزها، فالفقه بحاجة إلى أن يوسع، ونظرة الفقهاء بحاجة إلى أن تكون واسعة سواءً في المجالات الاقتصادية، أو في المجالات الطبية، أو في العلاقات الدولية، أو في أي مجال من مجالات

هذه الحياة.

339

٣٣٩ / ٤٩٤