لقاءات في الفكر والدعوة
الجزء ١ · صفحة ٣٤34
لقاعات
في الفِكْرِ وَ الدَّعْوَةِ
أن يمنع لسانه، فلا يطلقها حتى تلغ في حرمات الناس وفي أعراضهم، وإذا كانت للناس حرمات عامة وللمسلمين حرمات خاصة؛ فإن للعلماء حرمات أخص، فيجب أن تراعى هذه الحرمات، وأن لا يتطاول عليهم السفهاء والأوغاد، إذ لا يتطاول على العلماء العاملين إلا وغد سفيه كما يقول الشاعر:
ومنزلة الفقيه من
سفيه
فهذا زاهـ ــد في قرب هذا إذا غلب الشقاء على سفيه
كمنزلة السفيه من الفقيه
وهذا منه
د منه فيه
تنطع في م مالفة الفقيه
وقد أجاد الإمام نور الدين السالمي. رحمه الله تعالى ـ إذ نظم معنى البيت الأخير فقال: أبدى تنطعاً على الفقيه
إن غلب الشقاء على سفيه
وعليهم أن يدركوا أن العاقل يتجنب الفتيا بقدر استطاعته إن وجد من يكفيه إياها ولو بلغ ما بلغ من مقامات أهل العلم ومنازلهم، فإنه يتمنى أن يجد الكفاية من قبل غيره، ولا يجرؤ على أن يفتي برأيه ومن تلقاء نفسه، ثم إن الإنسان مأمور بأن لا يقدم على أي أمر كان إلا ببينة وبصيرة، فالله - تبارك وتعالى - يقول: ﴿وَلَا نَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمُ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوَلَيْكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 36]، وقد قرن الله - تبارك وتعالى - التقول عليه بغير علم بالإشراك به عندما قال: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِلْ بِهِ سُلْطَنَا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 33] وقد جاء في الحديث عن النبي الله أنه قال: «من أفتى مسألة أو فسّر رؤيا بغير علم كان كمن وقع من السماء إلى الأرض، فصادف بئراً لا قعر لها ولو أنه أصاب الحق» (رواه الربيع). وصحابة الرسول صلى الله عليه وسلم مع علو أقدارهم، وعظم شأنهم، واشتراكهم جميعاً في الفقه؛ كانوا يتدافعون الفتيا خوفاً وإشفاقاً على أنفسهم، فكيف بأمثالنا؟! ولكننا لم نجد بداً من أن نجلس في هذا المجلس، ونجيب على الاسئلة، وإلا فكم نتمنى أن يكفينا هذا الأمر العلماء الربانيون الراسخون في العلم الذين هم أولى به منا.
وطلبة العلم واجب عليهم أن يرعوا أقدر العلماء، وألا يتطاولوا عليهم، وأن يقفوا عند على أن طالب العلم عليه أن يدرك أنه طالب، فلا يتطاول على العالم فضلاً عن تطاوله على حكم الله - تعالى - وحكم رسوله الله، فكأين رأينا من أحد يتطاول على
حدودهم،