لقاءات في الفكر والدعوة
الجزء ١ · صفحة ٣٥٨358
لقاعات
في الفكر و الدعوة
الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر» (رواه البخاري
الأمة
ومسلم)، فعندما تكون على هذا النحو وتسير على هذا النهج تكون كلمتها عالية، وتكون شوكتها قوية، ويكون جانبها مهيباً، ولكن مع وقوع التشتت والتشرذم والخلاف وإيثار كل أحدٍ هواه يؤدي الأمر إلى الضياع، وإلى زوال الريح - أي القوة ـ، والله - تبارك وتعالى - يقول: {وَلَا تَنَزَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ [الأنفال: 46]، وعوامل الوحدة ما بين المسلمين متوافرة لا سيّما العرب، فمن أجل ذلك كان المفروض على العرب وقد أكرمهم الله تعالى بالإسلام وشرفهم بدعوة نبيهم محمد - عليه أفضل الصلاة والسلام ـ، إذ كانوا أول من حمل لواءها وقام بنشر صيتها في الآفاق؛ أن يكونوا أحرص الناس على الاستمساك بالهدي النبوي واتباع هذا المنهج الذي كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان عليه
الخلفاء الراشدون
على أن السلف الصالح عندما فتحوا الأمصار ونشروا هذا النور في أصقاع الأرض إنما كانوا قلّة، ولكنهم كانوا يشكّلون قوةً بإيمانهم لا بعتادهم وبعزيمتهم لا بعددهم، فلذلك هيّأ الله تعالى لهم الأسباب، وآتاهم ما آتاهم من الخير، لقد افتتحوا هذا العالم الواسع، وواجهوا دولتين كانتا تمثلان قوّتين كبريين في العالم آنذاك، وكانت مواجهتهم لهما في وقت واحد، لم يسندوا ظهورهم إلى إحدى الدولتين ليواجهوا الدولة الأخرى، وإنما واجهوا الدولتين في وقتٍ واحدٍ، لم يتفرغوا لمواجهة إحداهما مع مسالمتهم للأخرى، ومع ذلك فتح الله تعالى لهم آفاق الأرض، وهذا إنما يؤول إلى معرفتهم برسالتهم التي يحملونها، وبواجبهم الذي يهدفون إلى تحقيقه، وغايتهم التي يسعون إليها، فهم كانوا يحبون الشهادة في سبيل الله، ويؤثرونها على حياتهم، فقد حرصوا على الموت، فوهب الله تعالى لهم الحياة، وكانوا يرون عدتهم تقوى الله، وبقدر ما يتزوّدون من زاد التقوى تكون شوكتهم مضاءةً، وتكون هيبتهم ظاهرة في نفوس أعدائهم، فكانوا يتواصون بذلك، فأمير المؤمنين عمر الله عندما جنّد الأجناد لمحاربة إمبراطورية فارس زوّد جنده ممثلين في قائدهم وصيّةً جاء فيها:
«أوصيك ومن معك من الأجناد بتقوى الله على كل حال، فإن تقوى الله أفضل العدّة في الحرب، وأقوى المكيدة على العدو، وأوصيك ومن معك من الأجناد بأن تكونوا