لقاءات في الفكر والدعوة
الجزء ١ · صفحة ٣٦٥الإرهاب
الأمة
التي أصابت هذه والتي جرتها عليها انحرافاتها إنما هي بسبب فقدان التصور الصحيح، فأولئك الذين ارتكبوا المآسي العظيمة لم يبالوا بالحرمات، فقتلوا الأطفال، وقتلوا النساء، وشردوا الآمنين، ارتكبوا ما ارتكبوا باسم الإسلام والإسلام براء من كل ذلك؛ فإن الإسلام دين المرحمة، يدعو إلى الرحمة في أي موقف من المواقف، ولذلك ينهى أتباعه كل النهي وأشده عن العدوان، حتى عندما يقابل المسلمون العدوان إنما عليهم أن يردوا عدوان المعتدي وحده، وألا يتعدوا على غيره، فالله الله يقول في كتابه: وَقَتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) [البقرة: 190]، وإذا كان الإسلام يأمر بالبر والإنصاف حتى مع غير المسلمين الذين لم يجاهروا المسلمين بالعداوة حيث يقول عز من قائل: (لَا يَنهَنكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَتِلُوكُمْ في الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَرِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة: 8] فكيف يرضى المسلم مع ذلك أن يعامل إخوانه المسلمين بل أهل بلدته وأبناء جلدته هذه المعاملة القاسية؟! ويتنكر لمبادئ الإنسانية حتى يكون سبعاً ضارياً لا يبالي بأن يفتك بالأطفال والنساء والشيوخ الكبار وكل ضعيف؟!
إن هذه الحالة هي حالة شاذة بعيدة كل البعد عن تعاليم الإسلام وعن قيم الإسلام، فليت هؤلاء ما انتموا إلى الإسلام قط، وليتهم لم يرضوا بأن يُلحقوا بهذا الدين الحنيف النظيف هذه التهم القذرة التي يجب أن يُبرّأ الدين منها. ونحن نأسف لذلك، وقد سبق أن قمت بالإجابة على أسئلة طُرحت في ندوة عن صياغة هذه الأمة، وقلت بأن هذه الأخطاء ليست وليدة اليوم والأمس، وإنما هي وليدة تراكمات تاريخية حجبت عن الناس الصورة الصحيحة للإسلام، فلا بد إذن من أن يبني كل مسلم فكره على أساس التصور الإسلامي الصحيح حتى يعرف كيف يتصرف في هذه الحياة.
أما بالنسبة إلى ما وقع لهذه المسكينة التي أُصيبت بما أُصيبت به ورزئت بهذه الأرزاء، بحيث رزئت في عقيدتها وفكرها، ودينها بالنسبة إلى مأساتها فإن من الواجب عليها ألا تفهم الإسلام من خلال هذه التصرفات الشائنة التي تصدر من أقوام لا معرفة لهم بالدين، ولا دراية لهم بأصوله ولا بفروعه، ولا أساس عندهم من تعاليمه وفكره، وإنما عليها أن ترجع إلى الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه،
365