لقاءات في الفكر والدعوة أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

لقاءات في الفكر والدعوة

الجزء ١ · صفحة ٣٧٨

378

لقاعات

في الفكر والدعوة

ومن ناحية أخرى إنّ الكلمة وأمانتها هي أمر عظيم، ولذلك كان من أهمّ ما منّ الله تبارك وتعالى - به على عباده البيان؛ لما فيه من إبلاغ الحقيقة، وإفهامها للناس، وكشفها وإيضاحها لهم، فالكلمة أمانتها أمانة عظيمة، ويجب على جميع الأُمة المسلمة ممثلة في مؤسساتها الإعلامية أن تكون كلمتها كلمة واضحة أمام العالم بأسره، فالأُمة المسلمة إنما هي شهيدة على الناس ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: 143]، ولن تكون شهيدة على الناس إلا إذا كانت مع أمانة الكلمة، وكانت تضع كل شيء موضعه، فلا يجوز أن يلبس الحق لبوس الباطل، وأن يُلبس الباطل لبوس، الحق، وأن يلبس الصدق لبوس الكذب، وأن يلبس الكذب لبوس الصدق، وأن يلبس الظلم لبوس العدل، وأن يلبس العدل لبوس الظلم، إنما يجب أن يُوضَع كلّ شيء موضعه، وكما قلت إنه ليست هنالك حسرة على الأمة أن تقدّم مواكب من الشهداء، فإن ذلك أمر لا بد منه، وهذه هي ضريبة التمكين والاستخلاف في الأرض الذي وعد الله - تبارك وتعالى - به هذه الأمة، وقد دفع هذه الضريبة السلف الصالح في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي عهد الخلفاء الراشدين - الله تعالى عنهم، فمكّن لهم في الأرض، واستخلفهم فيها كما وعدهم بقوله: و وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ هُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى هُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنَا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا} [النور: 55]، ولكن يأسف الإنسان للصمت الرهيب، صمت هذه الأمة أمام هذه المآسي التي تُنهكها إنهاكاً، وأمام هذا الزحف الذي يزحف عليها من كل جانب للانتقاص منها ومن عزّها ومن استقلالها ومن شرفها ومن مكانتها، فالأُمة عليها أن تراجع نفسها في هذا، وعليها أن تصوغ حياتها صياغة قرآنية، وهذا ما ننادي به كثيراً أن الأمة بحاجة إلى أن تصاغ صياغة جديدة، صياغة قرآنية بحيث تكون ربانية المصدر والمورد، لا تُقدم على شيء إلا ببينة من ربها الله ولا تحجم عن شيء إلا بحكم من الله - تعالى -، تضع الموازين القسط بين يديها لتحكم على أي شيء بموجبها، هكذا يجب عليها، ومن ذلك أن تكون كلمتها كلمة واضحة، وأن تحترم أمانة هذه الكلمة، وأن تحرص على بلوغها إلى الناس من غير مواربة ومن غير أيّ شيء يلبس أمرها، أو ينتقض من دلالتها.

ضي

٣٧٨ / ٤٩٤