لقاءات في الفكر والدعوة
الجزء ١ · صفحة ٣٨٢382
لقاعات
في الفكر و الدعوة
بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل: 125]، والحكمة هي وضع الشيء موضعه، ولا يمكن للإنسان أن يضع الشيء موضعه إلا عندما يكون على بصيرة من أمره بحيث إنه لملكته ومهارته في الأمور يتقن إحكام كل أمر فيضعه في موضعه، فإنه إن لم يكن خبيراً بذلك تعسّف في ترتيب الأولويات، والدليل على ذلك قول الله - تبارك وتعالى -: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: 108]، فلا بد من أن يكون الداعية إلى الله على بصيرة، ومن البصيرة أن يكون عارفاً بما يدعو إليه، وعارفاً بالقضايا التي يتناولها بحيث يراعي أولوياتها فيقدم الأهم على المهم، ويقدِّم المفروض على المندوب، ويقدّم الأشد على الشديد، وهكذا يراعي أولويات القضايا، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أن يكون خبيراً أيضاً بأسلوب المخاطبة مع القوم الذين يخاطبهم، وهذه هي الحكمة، فلا بد أن يكون خبيراً بما يؤثر عليهم ويجتذبهم ويخلصهم مما هم فيه وعليه من الضلال والغي والفساد، فإن هذا كله لا بد من أن يراعى لأجل ضمان نجاح الدعوة، فلربما كان التأثير على بعض الناس بالترهيب، وكان التأثير على آخرين بالترغيب، ولربما كان التأثير على مجموعة أخرى بإثارة النخوات في نفوسهم، ونحن نرى أن القرآن الكريم تناول هذه الجوانب كلّها، فجاء بالترغيب، وجاء بالترهيب، وجاء بإثارة النخوات في النفوس بتذكيرهم بأمجاد آبائهم وأسلافهم كما قوله سبحانه وتعالى: {يَبَنِي إِسْرَاءِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ) [البقرة: 47]، وبعد ذلك قال: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَّا تَجْزِى نَفْسُ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ [البقرة: 48]، أولاً ذكرهم بآبائهم، وأنهم فضّلوا على العالمين عندما كانوا على استقامة وعلى صلاح ورشد، وكان فيهم النبيون، وكانوا على استجابة لأوامر النبيين، ففي ذلك الوقت كانوا مُفضّلين بطبيعة الحال، ولكن انقلبوا إلى عكس ذلك، ومع ما يعلمه الله - تبارك وتعالى - من خسة حالهم ومن دسائسهم وانحراف فطرهم أتى بهذا الأسلوب ليكون في ذلك تعليم للعباد كيف يوجهون الخطاب إلى الناس، فإن هذا علاج نفساني، وكم تجد في الخطاب القرآني من مراعاة لأحوال نفسية؛ لأن الإنسان دائماً يعتز بأمجاد ماضية، ويعتبرها رصيداً له، فلذلك ذُكِّروا هذا التذكير.
وكذلك نجد هذا الخطاب ذاته فيما يحكيه الله - تبارك وتعالى ـ عن عبده موسى في خطابه لبني إسرائيل، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ، يَقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُم مُلُوكًا وَآتَنكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: 20]، فالله